أصول الفقه - الأراكي، محمد علي - الصفحة ٤١٣ - هل يجوز للشارع ان يرخص فى المخالفة القطعية
الموافقة القطعية يكون في كليهما على نحو العليّة التامّة بحيث لا يمكن الترخيص من الشرع في شيء منهما؟ أو أنّ اقتضائه في كليهما يكون على نحو الاقتضاء ، بمعنى أنّ العقل لو خلّي وطبعه يحكم بالقبح ، وللشارع أن يرخصّ من حيث الشارعيّة في المخالفة القطعيّة ، فحكم العقل بالمنع إنّما هو لو لا حكم الشرع بالجواز ، أو هنا تفصيل ، فبالنسبة إلى المخالفة القطعيّة يكون على نحو العليّة التامّة ، وبالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعيّة يكون على نحو الاقتضاء ولو لا حكم الشرع.
وبعبارة ثالثة : هل العلم الإجمالي كالتفصيلي ليس للشارع التصرّف فيه لا نفيا ولا إثباتا بوجه من الوجوه ، أو أنّه يكون له التصرّف فيه نفيا من حيث المخالفة الاحتماليّة دون القطعيّة ، أو له ذلك في كليهما؟
فنقول : أمّا المخالفة القطعيّة فقد يقال بأنّه لو رخّص الشارع في جميع الأطراف يلزم التناقض بين هذا الترخيص وبين الحكم الواقعى المعلوم إجمالا ، فمن يعلم بأنّ أحد الإنائين خمر لو جوّز له الشرع شرب كليهما كان راجعا إلى تجويز شرب الخمر وهو مخالف لقوله : لا تشرب الخمر ، وهذا مدفوع ؛ لعدم التناقض ، لما يأتى في وجه الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري ، فإنّ جعل الترخيص هنا يكون في موضوع الشكّ لثبوته في كلّ من الطرفين بالخصوص.
وحينئذ فإمّا نختار مذاق من يقول للحكم بمراتب ، ونقول : إنّ قوله : لا تشرب الخمر وإن كان ظاهرا في الفعليّة ولكن بعد ما ورد الترخيص في كلا الطرفين يستكشف ـ قضيّة للجمع بينهما ـ منه كون ذاك حكما غير فعلي من حيث الشكّ ، وكون هذا حكما فعليّا من جميع الحيثيّات ، والمخالفة القطعيّة للحكم الفعلي وإن كانت قبيحة بحيث لا يمكن أن يجوّزها الشرع ، ولكن هذا ليس مخالفة للحكم الفعلي.
وإمّا نختار مذاق من يقول بأنّ الحكم والأمر والنهي لا يعقل له إلّا مرتبة واحدة ؛ لأنّه إمّا موجود فيكون فعليّا ، وإمّا معدوم فلا يعقل أن يكون موجودا وغير فعلي. فنقول : وإن كان كلّ من «لا تشرب الخمر» والترخيص في الأطراف حكما فعليّا ، ولكن مع ذلك لا تناقض ، لكون رتبتهما مختلفة ، فإن الثاني في طول الأوّل ، فعلم أنّه