الأصول التمهيدية في المعارف المهدوية - الحلو، محمد علي - الصفحة ٧٠ - المنحى الثاني وهو المنحى العملي
يطالبه الخليفة بملاقاته في البلاط, وكان الناس يصطفون على الطريق لمشاهدة إمامهم الذي لم يروه منذ فترة ليست بالقصيرة فيسلمون عليه ويطلبون بعض حوائجهم منه ويشاهدون كراماته ومعجزاته في أثناء ذلك, إلا أنه عليه السلام لم يترك شيعته هكذا دون أن يقودهم من خلال سفيره المعين من قبله عثمان بن سعيد العمري الذي كان حلقة وصل بين الإمام وبين شيعته ليقوم بتسهيل مهمة القيادة والتوجيه التي لا يمكن استغناء الشيعة عنها حتى لو غاب عنهم إمامهم، والإمام صلوات الله عليه أراد أنْ يثبت أنّ الغيبة ليست مانعة عن مواصلة قيادته لأُمته وإنّ ابتعاده عن شيعته لا يحول عن التطلع إلى الإبقاء على القيادة الإلهية في خضم الواقع والحياة.
ولم يكن الإمام العسكري عليه السلام بمعزل عن مهمة التمهيد للغيبة, فقد واصل هذه المهمة من خلال ابتعاده بشكل أكثر عن قواعده وشيعته، وذلك من خلال عدم السماح لشيعته أن يقابلوه إلاّ من وراء سِتار يتكلم معهم ويدير أمورهم, بل وصل الأمر إلى أكثر من ذلك فالإمام لا يسمح حتى إلى خاصته ومقربيه أنْ يواجهوه إلاّ من وراء ستار يضرب بينه وبينهم؛ ليألفوا غيبة إمامهم الموعود, وتبقى إدارة شؤون الأمة غير بعيدة عن الإمام بالرغم من غيبته وابتعاده عن قواعده وذلك من خلال سفير والده الإمام الهادي عليه السلام وهو الشيخ عثمان بن سعيد العمري الذي كان حلقة وصل بين الإمام العسكري عليه السلام وبين شيعته.
وهكذا هي إجراءات الإمامين الهادي والعسكري عليهما السلام اللذين مارسا الغيبة عن قواعدهما الشعبية؛ لئلا يواجهوا غيبة الإمام المهدي عليه السلام بشكل مفاجئ يعيق من خلاله التعاطي بين الإمام وبين شيعته ولتكون غيبة الإمام المهدي عليه السلام أمراً مألوفاً تعاملوا الشيعة معه من قبل إبان عصري الإمامين الهادي والعسكري عليهما السلام, وهذا ما جعل الأمر طبيعياً لدى الناس في غيبة الإمام المهدي عليه السلام دون أن تسجل في ذلك أية حادثة اعتراض أو تراجع في مستوى انشداد الناس لإمامهم المغيب.