إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٦ - و فرقة أخرى من عوام الخلق و أرباب الأموال و الفقراء
لأدوائهم بمحض الشفقة و الرحمة من غير طمع،فصار أحب إليهم من آبائهم،و أمهاتهم و أقاربهم،فآثروه بأبدانهم و أموالهم،و صاروا له خولا كالعبيد و الخدم،فخدموه و قدموه في المحافل،و حكموه على الملوك و السلاطين.فعند ذلك انتشر الطبع،و ارتاحت النفس، و ذاقت لذة يا لها من لذة،أصابت من الدنيا شهوة يستحقر معها كل شهوة،فكان قد ترك الدنيا فوقع في أعظم لذاتها،فعند ذلك وجد الشيطان فرصة،و امتدت إلى قلبه يده، فهو يستعمله في كل ما يحفظ عليه تلك اللذة و أمارة انتشار الطبع،و ركون النفس إلى الشيطان،أنه لو أخطأ فردّ عليه بين يدي الخلق غضب.فإذا أنكر على نفسه ما وجده من الغضب،بادر الشيطان فخيل إليه أن ذلك غضب للّٰه،لأنه إذا لم يحسن اعتقاد المريدين فيه انقطعوا عن طريق اللّه.فوقع في الغرور .فربما أخرجه ذلك إلى الوقيعة فيمن رد عليه،فوقع في الغيبة المحظورة بعد تركه الحلال المتسع،و وقع في الكبر الذي هو تمرد عن قبول الحق و الشكر عليه،بعد أن كان يحذر من طوارق الخطرات.و كذلك إذا سبقه الضحك،أو فتر عن بعض الأوراد،جزعت النفس أن يطلع عليه فيسقط قبوله،فأتبع ذلك بالاستغفار و تنفس الصعداء،و ربما زاد في الأعمال و الأوراد لأجل ذلك،و الشيطان يخيل إليه إنك إنما تفعل ذلك كيلا يفتر رأيهم عن طريق اللّه،فيتركون الطريق بتركه،و إنما ذلك خدعة و غرور.بل هو جزع من النفس خيفة فوت الرئاسة و لذلك لا تجزع نفسه من اطلاع الناس على مثل ذلك من أقرانه،بل ربما يحب ذلك و يستبشر به،و لو ظهر من أقرانه من مالت القلوب إلى قبوله،و زاد أثر كلامه، في القبول على كلامه،شق ذلك عليه.و لو لا أن النفس قد استبشرت و استلذت الرئاسة، لكان يغتنم ذلك.إذ مثاله أن يرى الرجل جماعة من إخوانه قد وقعوا في بئر،و تغطى رأس البئر بحجر كبير،فعجزوا عن الرقي من البئر بسببه،فرق قلبه لإخوانه،فجاء ليرفع الحجر من رأس البئر،فشق عليه،فجاءه من أعانه على ذلك حتى تيسر عليه،أو كفاه ذلك و نحاه بنفسه ،فيعظم بذلك فرحه لا محالة،إذ غرضه خلاص إخوانه من البئر.فإن كان غرض الناصح خلاص إخوانه المسلمين من النار،فإذا ظهر من أعانه أو كفاه ذلك لم يثقل عليه.أ رأيت لو اهتدوا جميعهم من أنفسهم،أ كان ينبغي أنه يثقل ذلك عليه