إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٨ - و فرقة أخرى من عوام الخلق و أرباب الأموال و الفقراء
لحب الرئاسة،و لا يدعونها بقول من يقول إن الوعظ لحب الرئاسة حرام،كما لا يدع الخلق الشرب،و الزنا،و السرقة،و الرياء،و الظلم،و سائر المعاصي،بقول اللّه تعالى و رسوله إن ذلك حرام.فانظر لنفسك.و كن فارغ القلب من حديث الناس ،فإن اللّه تعالى يصلح خلقا كثيرا بإفساد شخص واحد و أشخاص ،و لو لا دفع اللّه الناس،بعضهم بعض لفسدت الأرض،و إن اللّه يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم.فإنما يخشى أن يفسد طريق الاتعاظ فأما أن تخرس ألسنة الوعاظ،و وراءهم باعث الرئاسة و حب الدنيا،فلا يكون ذلك أبدا فإن قلت:فإن علم المريد هذه المكيدة من الشيطان،فاشتغل بنفسه و ترك النصح، أو نصح و راعى شرط الصدق و الإخلاص فيه،فما الذي يخاف عليه؟و ما الذي بقي بين يديه من الأخطار و حبائل الاغترار؟.فاعلم أنه بقي عليه أعظمه،و هو أن الشيطان يقول له:
قد أعجزتنى،و أفلت منى بذكائك و كمال عقلك،و قد قدرت على جملة من الأولياء و الكبراء و ما قدرت عليك:فما أصبرك،و ما أعظم عند اللّه قدرك و محلك،إذ قواك على قهرى، و مكنك من التفطن لجميع مداخل غرورى.فيصغى إليه و يصدقه،و يعجب بنفسه في فراره من الغرور كله،فيكون إعجابه بنفسه غاية الغرور،و هو المهلك الأكبر،فالعجب أعظم من كل ذنب.و لذلك قال الشيطان.يا ابن آدم،إذا ظننت أنك بعلمك تخلصت منى،فبجهلك قد وقعت في حبائلى.
فإن قلت:فلو لم يعجب بنفسه إذ علم أن ذلك من اللّه تعالى لا منه،و أن مثله لا يقوى على دفع الشيطان إلا بتوفيق اللّه و معونته،و من عرف ضعف نفسه و عجزه عن أقل القليل،فإذا قدر على مثل هذا الأمر العظيم علم أنه لم يقو عليه بنفسه بل باللّه تعالى،فما الذي يخاف عليه بعد نفى العجب فأقول:يخلف عليه الغرور بفضل اللّه،و الثقة بكرمه،و الأمن من مكره،حتى يظن أنه يبقى على هذه الوتيرة في المستقبل،و لا يخاف من الفترة و الانقلاب،فيكون حاله الاتكال على فضل اللّه فقط،دون أن يقارنه الخوف من مكره.و من أمن مكر اللّه فهو خاسر جدا بل سبيله أن يكون مشاهدا جملة ذلك من فضل اللّه،ثم خائفا على نفسه أن يكون قد سدت عليه صفة من صفات قلبه،من حب دنيا،و رياء،و سوء خلق،و التفات إلى عزّ