إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٢ - القسم الثالث التكبر على العباد
بينما أنت رب تعبد إذ صرت عبدا تعبد!فاستنكف عن عبودية اللّه،و عن اتباع موسى عليه السّلام و قالت قريش فيما أخبر اللّه تعالى عنهم لَوْ لاٰ نُزِّلَ هٰذَا الْقُرْآنُ عَلىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [١]قال قتادة.عظيم القريتين هو الوليد بن المغيرة و أبي مسعود الثقفي طلبوا من هو أعظم رياسة من النبي صلّى اللّه عليه و سلم،إذ قالوا غلام يتيم كيف بعثه اللّه إلينا.فقال تعالى أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [٢]و قال اللّه تعالى لِيَقُولُوا أَ هٰؤُلاٰءِ مَنَّ اللّٰهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنٰا [٣]أي استحقارا لهم و استبعادا لتقديمهم.و قالت قريش لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم.[١]كيف نجلس إليك و عندك هؤلاء!أشاروا إلى فقراء المسلمين، فازدروهم بأعينهم لفقرهم،و تكبروا عن مجالستهم،فأنزل اللّه تعالى وَ لاٰ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدٰاةِ وَ الْعَشِيِّ [٤]إلى قوله مٰا عَلَيْكَ مِنْ حِسٰابِهِمْ [٥]و قال تعالى وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدٰاةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَ لاٰ تَعْدُ عَيْنٰاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا [٦]ثم أخبر اللّه تعالى عن تعجبهم حين دخلوا جهنم،إذ لم يروا الذين ازدروهم ،فقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار؟قيل يعنون عمارا و بلالا،و صهيبا،و المقداد رضي اللّه عنهم .ثم كان منهم من منعه الكبر عن الكفر و المعرفة فجهل كونه صلّى اللّه عليه و سلم محقا.و منهم من عرف و منعه الكبر عن الاعتراف.قال اللّه تعالى مخبرا عنهم فَلَمّٰا جٰاءَهُمْ مٰا عَرَفُوا كَفَرُوا بِه ِ [٧]و قال وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا [٨]و هذا الكبر قريب من التكبر على اللّه عز و جل،و إن كان دونه،و لكنه تكبر على قبول أمر اللّه،و التواضع لرسوله
القسم الثالث:التكبر على العباد.
و ذلك بأن يستعظم نفسه،و يستحقر غيره،فتأبى نفسه عن الانقياد لهم،و تدعوه إلى الترفع عليهم،فيزدريهم و يستصغرهم،و يأنف من مساواتهم.و هذا و إن كان دون الأول و الثاني،فهو أيضا عظيم من وجهين.
[١] الزخرف:٣١
[٢] الزخرف:٣٢
[٣] الانعام:٥٣
[٤] الانعام:٥٢
[٥] الانعام:٥٢
[٦] الكهف:٢٨
[٧] البقرة:٨٩
[٨] النحل:١٤٠