إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٨ - بيان
يجتزئ بأدنى بيان،فكأنه يكاد زيته يضيء و لو لم تمسه نار.فإذا مسته نار فهو نور على نور،يهدى اللّه لنوره من يشاء و هذا لا يحتاج إلى نص منقول في كل واقعة فمن هذا حاله إذا أراد أن يعرف وجوب التوبة،فينظر أولا بنور البصيرة إلى التوبة ما هي،ثم إلى الوجوب ما معناه،ثم يجمع بين معنى الوجوب و التوبة،فلا يشك في ثبوته لها و ذلك بأن يعلم بأن معنى الواجب ما هو واجب في الوصول إلى سعادة الأبد،و النجاة من هلاك الأبد،فإنه لو لا تعلق السعادة و الشقاوة بفعل الشيء و تركه،لم يكن لوصفه بكونه واجبا معنى.و قول القائل صار واجبا بالإيجاب حديث محض.فإن ما لا غرض لنا آجلا و عاجلا في فعله و تركه،فلا معنى لاشتغالنا به أوجبه علينا غيرنا أو لم يوجبه.فإذا عرف معنى الوجوب و أنه الوسيلة إلى سعادة الأبد،و علم أن لا سعادة في دار البقاء إلا في لقاء اللّه تعالى،و أن كل محجوب عنه يشقى لا محالة،محول بينه و بين ما يشتهي،محترق بنار الفراق و نار الجحيم و علم أنه لا مبعد عن لقاء اللّه إلا اتباع الشهوات،و الأنس بهذا العالم الفاني،و الإكباب على حب ما لا بد من فراقه قطعا،و علم أنه لا مقرب من لقاء اللّه إلا قطع علاقة القلب عن زخرف هذا العالم،و الإقبال بالكلية على اللّه طلبا للأنس به بدوام ذكره ،و للمحبة له بمعرفة جلاله و جماله على قدر طاقته،و علم أن الذنوب التي هي إعراض عن اللّه،و اتباع لمحاب الشياطين أعداء اللّه المبعدين عن حضرته،سبب كونه محجوبا مبعدا عن اللّه تعالى.فلا يشك في أن الانصراف عن طريق البعد واجب للوصول إلى القرب.و إنما يتم الانصراف بالعلم،و الندم،و العزم فإنه ما لم يعلم أن الذنوب أسباب البعد عن المحبوب لم يندم،و لم يتوجع بسبب سلوكه في طريق العبد.و ما لم يتوجع فلا يرجع.و معنى الرجوع الترك و العزم فلا يشك في أن المعاني الثلاثة ضرورية في الوصول إلى المحبوب.و هكذا يكون الإيمان الحاصل عن نور البصيرة و أما من لم يترشح لمثل هذا المقام المرتفع ذروته عن حدود أكثر الخلق،ففي التقليد و الاتباع له مجال رحب،يتوصل به إلى النجاة من الهلاك،فليلاحظ فيه قول اللّه،و قول رسوله،و قول السلف الصالحين.فقد قال اللّه تعالى وَ تُوبُوا إِلَى اللّٰهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [١]و هذا أمر على العموم.و قال اللّه تعالى
[١] النور:٣١