إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٧ - و فرقة أخرى من عوام الخلق و أرباب الأموال و الفقراء
إن كان غرضه هدايتهم؟فإذا اهتدوا بغيره فلم يثقل عليه؟و مهما وجد ذلك في نفسه دعاه الشيطان إلى جميع كبائر القلوب،و فواحش الجوارح،و أهلكه،فنعوذ باللّه من زيغ القلوب بعد الهدى،و من اعوجاج النفس بعد الاستواء فإن قلت:فمتى يصح له أن يشتغل بنصح الناس فأقول:إذا لم يكن له قصد إلاّ هدايتهم للّٰه تعالى،و كان يود لو وجد من يعينه،أو لو اهتدوا بأنفسهم،و انقطع بالكلية طمعه عن ثنائهم و عن أموالهم،فاستوى عنده حمدهم و ذمهم،فلم يبال بذمهم إذا كان اللّه يحمده،و لم يفرح بحمدهم إذا لم يقترن به حمد اللّه تعالى، و نظر إليهم كما ينظر إلى السادات و إلى البهائم.أما إلى السادات فمن حيث إنه لا يتكبر عليهم، و يرى كلهم خيرا منه لجهله بالخاتمة.و أما إلى البهائم،فمن حيث انقطاع طمعه عن طلب المنزلة في قلوبهم،فإنه لا يبالي كيف تراه البهائم فلا يتزين لها و لا يتصنع.بل راعى الماشية إنما غرضه رعاية الماشية،و دفع الذئب عنها دون نظر الماشية إليه.فما لم ير سائر الناس كالماشية التي لا يلتفت إلى نظرها،و لا يبالي بها،لا يسلم من الاشتغال بإصلاحهم.نعم ربما:يصلحهم و لكن يفسد نفسه بإصلاحهم فيكون كالسراج يضيء لغيره و يحترق في نفسه فإن قلت:فلو ترك الوعاظ الوعظ إلا عند نيل هذه الدرجة لخلت الدنيا عن الوعظ و خربت القلوب فأقول:قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم[١]«حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة»و لو لم يحب الناس الدنيا لهلك العالم،و بطلت المعايش،و هلكت القلوب و الأبدان جميعا.إلا أنه صلّى اللّه عليه و سلم علم أن حب الدنيا مهلك،و أن ذكر كونه مهلكا لا ينزع الحب من قلوب الأكثرين،لا الأقلين الذين لا تخرب الدنيا بتركهم،فلم يترك النصح،و ذكر ما في حب الدنيا من الخطر،و لم يترك ذكره خوفا من أن يترك نفسه بالشهوات المهلكة التي سلطها اللّه على عباده،و ليسوقهم بها إلى جهنم،تصديقا لقوله تعالى وَ لٰكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النّٰاسِ أَجْمَعِينَ [١]فكذلك لا تزال ألسنة الوعاظ مطلقة
[١] السجدة:١٣