شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٤
الثانى و صرّح بذلك في بعض كلامه قال: إنّ اسم الفقه في العصر الأوّل إنّما كان يطلق على علم الآخرة و معرفة دقائق آفات النفوس و مفسدات الأعمال و قوّة الإحاطة بحقارة الدّنيا و شدّة التطلّع في نعيم الآخرة و استيلاء الخوف على القلب و يدلّ عليه قوله تعالى «فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» فقد جعل العلّة الغائيّة من الفقه الانذار و التخويف و معلوم أنّ ذلك لا يترتّب إلّا على هذه المعارف لا على معرفة فروع الطلاق و المساقاة و السلم و أمثال ذلك. ثمّ إنّ الشارح- (رحمه اللّه)- كان راغبا في التصوّف شديد التمسّك به لكنّ تصوّفه و تصوّف أمثاله من علماء ذلك العصر كان خاليا من البدع و الأهواء و كانوا مرتاضين متشرّعين عاملين في السلوك و الرّياضة بما يوافق الشرع المبين البتّة، قال في بعض كلامه: فيه أي في الحديث دلالة على أنّه لا بدّ للناس من استاذ مرشد عالم ليحصل به نجاتهم. و في كلام آخر له: «و بين أهل السلوك خلاف في أنّه هل يضطرّ السالك إلى الشيخ العارف أم لا، و أكثرهم يرى وجوبه و يفهم ذلك من كلامه (عليه السلام) و به يتمسّك الموجبون له و يؤيّده أنّ طريق المريد مع شيخه العارف باللّه أقرب إلى الهداية و بدونه أقرب إلى الضلالة فلذلك قال (عليه السلام) «فنجا» أى النجاة متعلّقة به و دلائل الفريقين مذكورة في مصباح العارفين» انتهى ثمّ إنّ الشارح مع تبحّره في الحديث و النقليّات كان عارفا بالعلوم المتداولة في عصره كالعلوم الرّياضيّة و الطبّ و الكلام و الحكمة الإلهيّة و المفهوم من تحقيقاته أنّه كان خبيرا متضلّعا بها و كان في الأكثر معتقدا لأصول صدر المتألّهين و الفيض- (قدس سرهما)- و كان يعترف بتشكيك الوجود و أنّه ذو مراتب و أنّ وجود الممكن بالنسبة إلى الواجب وجود ربطي تعلّقي و كان معتقدا للحركة الجوهريّة و الأجسام المثاليّة و بتجسّم الأعمال في الآخرة و أنّها نشأة أخرى، و كان معتقدا بتجرّد النفوس و إمكان اتحادها بالعقول المجرّدة و غير ذلك من اصول صدر المتألّهين، و لم يكن مقلّدا يقبل مجازفات قدماء المشّائين الّتي لا دليل لهم عليها على ما هو دأب بعض المتفلسفة كحصر العقول في العشرة و أنّ اللّه تعالى خلق كلّ عقل مع فلك