كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ٢٦ - ٣- «شرح كتاب حرف اللام للشيخ الرئيس ابن سينا»

المعيد و من هذا المتفرّغ عن الباطل للحق، و عن الدنيا للآخرة، و عن الفضول للفضل!! لقد أنشب القدر فىّ مخاليب الغير، فما أدرى كيف أتملّص، و أتخلّص»، إلى آخر ما قاله عن اضطراب أحواله بسبب مشاركته فى الأمور السياسية مما جعله ينسلخ عن العلم. و فى هذا النص كذلك ما يميل بنا إلى القول بأنه لم يعد الكتاب كله، أعنى «الإنصاف»، لأنه لم يعد له «مهلة» لإعادته، و قد اضطربت أحواله بحيث لم يكن في وسعه الانعكاف من جديد على مثل هذا العمل الضخم. لهذا نرى أن دعوى عزيز الدين الفقاعى يجب أن تؤول على نحو آخر.

و هذا التأويل هو أن يقال إنه لم يقصد نسخة كاملة من «الإنصاف»، بل أجزاء منه هى التي بقيت بعد النهب، و هى التي قال عنها البيهقى: «و لم يؤخذ من كتاب الإنصاف إلا أجزاء». و يتأيد هذا بقوله فى الرسالة السابقة: «و أما «المسائل الشرقية» فقد كتبت أعيانها بل كثيرا منها فى أجزائها لا يطلع عليها أحد، و أثبتّ أشياء منها من «الحكمة العرشية» فى جزازات، فهذه هى التي ضاعت، ...». فقوله المسائل الشرقية يقصد به من غير شك كتاب «الإنصاف»، بدليل قوله بعد: «بلى! كتاب «الإنصاف» لا يمكن أن يكون إلا مبسوطا» مع أنه لم يشر إليه من قبل بالاسم، و هذا يدل بوضوح على أنه لما أشار إلى «المسائل الشرقية» قصد كتاب «الإنصاف» و قد تحزّن على ضياعه ذلك الصديق الذي يوجه إليه هذه الرسالة. و معنى هذا النص إذا أن كتاب «الإنصاف» لم يضع منه إلا الجزء الذي حرره و هو القسم منه الخاص بالحكمة العرشية.

أما الباقى فلم يضع. و هذا الباقى هو الأجزاء الباقية التي أشار إليها البيهقى. و هذا من شأنه أيضا أن يفسر قوله فى الرسالة إلى الكيا: «و أنا بعد فراغى من شى‌ء أشتغل بإعاداته، و إن كان ظل الإعادة ثقيلا. لكن ذاك (أى الذي كان على إعادته) كان يشتمل على تلخيص ضعف البغدادية و تقصيرهم و جهلهم» (ص ١٢١- ص ١٢٢). و معنى هذا أن الشى‌ء الذي ضاع و هو الخاص بالحكمة العرشية هو ذلك القسم الذي كان يشتمل على تلخيص آراء البغداديين و نقدها. أما القسم الآخر، و هو الذي بقى بعد هذا النهب، فهو المتصل بشرح كتب أرسطو و بيان سهو المفسرين؛ ففضل أن يشتغل «بمثل الإسكندر و ثامسطيوس و يحيى النحوي و أمثالهم» (ص ١٢٢) على أن يشتغل بهؤلاء البغداديين‌