كتاب الجمع بين رأيي الحكيمين لأبي نصر الفارابي - علي بو محلم - الصفحة ٧٢ - ١٦ ـ المثل قال بها افلاطون وارسطو علي السواء
بذهني من ذلك العالم الى العالم الالهي ، فصرت كأني هناك متعلق بها؛ فعند ذلك يلمع لي من النور والبهاء ما يكلّ الألسن عن وصفه ، والاذان عن سمعه ؛ فاذا استغشي في ذلك النور وبلغت طاقتي ، ولم اقو على احتماله [١] ، هبطت الى عالم الفكرة؛ فاذا صرت الى عالم الفكرة ، حجبت عني الفكرة ذلك النور ، وتذكرت ، عند ذلك ، اخي يرقليطوس ، من حيث امر بالطلب والبحث عن جوهر النفس الشريفة بالصعود الى عالم العقل». ـ هذا في كلام له طويل ، يجتهد فيه ويروم بيان هذه المعاني اللطيفة؛ فيمنعه العقل الكياني عن ادراك ما عنده وايضاحه.
فمن اراد ان يقف على يسير ما أومئوا اليه ، فان الكثير منه عسير وبعيد. فليحفظ ما ذكرناه بذهنه ، ولا يتبع الالفاظ متابعة تامّة ، لعله يدرك بعض ما قصد بتلك الرموز والالغاز. فانهم قد بالغوا واجتهدوا ، ومن بعدهم الى يومنا هذا ، ممن لم يكن قصدهم الحق؛ بل كان كدّهم العصبية وطلب العيوب؛ فحرفوا وبدلوا ، ولم يقدروا ، مع الجهد والعناية والقصد التامّ ، على الكشف والايضاح. فانّا ، مع شدة العناية بذلك ، نعلم انّا لم نبلغ من الواجب فيه الاّ ايسر اليسير ، لان الامر في نفسه صعب ممتنع جدا.
[١] هذا الكلام اقتبسه الفارابي من كتاب اثالوجيا لافلوطين وهو يصف فيه انجذابه الي الله في تجربة صوفية تذكرنا بفناء المتصوفة واتصالهم بالحضرة الالهية. وهذا لم يعرفه افلاطون ولا ارسطو.