كتاب الجمع بين رأيي الحكيمين لأبي نصر الفارابي - علي بو محلم - الصفحة ٥٥ - ١٤ ـ المعرفة عند افلاطون تذكر وعند ارسطو احساس ومع ذلك لا خلاف بينهما
الانسان ، تذكّر المساواة التي كانت في النفس؛ فعلم ان هذا المساوي انما كان مساويا بمساواة شبيهة بالتي في النفس. وكذلك سائر ما يتعلّم ، انما يتذكر ما في النفس. واللّه اعلم [١].
وقد ظنّ اكثر الناس ، من هذه الاقاويل ، ظنونا مجاوزة عن الحد. اما القائلون ببقاء النفس بعد مفارقتها البدن [٢] ، فقد افرطوا في تأويل هذه الاقاويل ، وحرّفوها عن سننها ، واحسنوا الظنّ بها ان اجروها مجرى البراهين؛ ولم يعلموا ان افلاطون انما يحكي هذا عن سقراط على سبيل من يروم تصحيح امر خفيّ بعلامات ودلائل. والقياس بعلامات لا يكون برهانا ، كما علّمناه الحكيم ارسطو في «انولوطيقا الأولى والثانية». ـ واما المدافعون لها ، فقد افرطوا ايضا في التشنيع ، وزعموا ان ارسطو مخالف له في هذا الرأي ، واغفلوا قوله في اوّل كتاب «البرهان» حيث ابتدأ فقال : كل تعليم وكل تعلّم فانما يكون عن معرفة متقدمة الوجود. ثم قال بعد قليل : وقد يتعلم الانسان بعض الأشياء وقد كان علمه من قبل قديما ، وبعض الأشياء
[١] هذه العبارة «والله اعلم» مزادة علي النص وليست للفارابي علي الأرجح. وكون المعرفة عملية تذكر ، هذا ما يذهب إليه أرسطو ، لأن النفس بنظره عرفت حقائق الأشياء في عالم المثل قبل حلول الجسد علي الأرض. وإذا رأت علي الأشياء أشياء تشبه المثل تذكرتها.
[٢] القول بخلود النفس ضروري لتفسير المعرفة بالتذكر في مذهب افلاطون ، وليس ضرورياً في فلسفة ارسطو. ويبدو أن الفارابي يميل إلي مذهب أرسطو بصدد خلود النفس ، وهو مذهب يشوبه التردد.