كتاب الجمع بين رأيي الحكيمين لأبي نصر الفارابي - علي بو محلم - الصفحة ٣٤ - ٧ ـ اختلاف سيرتي افلاطون وارسطو لم يؤد إلي اختلاف آرائهما السياسية والخلقية
وليس الامر كذلك ، في الحقيقة : فان افلاطون هو الذي دوّن السياسات ، وهذبها ، وبيّن السير العادلة ، والعشرة [١] الأنسية المدنية ، وابان عن فضائلها ، واظهر الفساد العارض لأفعال من هجر العشرة المدنية ، وترك التعاون فيها. ومقالاته ، فيما ذكرناه ، مشهورة ، يتدارسها الأمم المختلفة من لدن زمانه الى عصرنا هذا. غير انّه ، لما رأى امر النفس وتقويمها اوّل ما يبتدئ به الانسان ، حتى اذا احكم تعديلها وتقويمها [٢] ، ارتقى منها الى تقويم غيرها [٣] ؛ ثم ، لم يجد في نفسه من القوة ما يمكنه الفراغ مما يهمّه من امرها ، افنى ايامه في اهمّ الواجبات عليه ، عازما على انه ، متى فرغ من الاهمّ الاولي ، اقبل على الاقرب الادنى ، حسب ما اوصى به في مقالاته في «السياسات والاخلاق».
وان ارسطوطاليس جرى على مثل ما جرى عليه افلاطون في اقاويله «ورسائله السياسية». ثم لما رجع الى امر نفسه خاصّة ، احس منها بقوة ورحب ذراع وسعة صدر وتوسع اخلاق وكمال امكنه معها تقويمها ، والتفرّغ للتعاون ، والاستمتاع بكثير من الاسباب المدنية.
فمن تأمل هذه الاحوال ، علم انه لم يكن ، بين الرأيين والاعتقادين ، خلاف ، وان التباين الواقع لهما كان سببه نقص في القوى الطبيعية في
[١] يعني بالعشرة الاجتماع.
[٢] بني افلاطون السياسة المدنية علي علم النفس ونظر إلي المجتمع من خلال الفرد وقسّم المجتمع إلي فئات مثابراً علي تقسيم النفس إلي قوي.
[٣] لا يعني بالتقويم : تقويم الغيرية ، بل يعني التعديل.