مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - العلامة المجلسي - الصفحة ٣٦٩
وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يركن إليها وينبغي لمن عقل عن الله أن لا يتهم الله في قضائه ولا يستبطئه في رزقه
عن ندرة الوقوع أو عدمه.
وقال بعض المحققين : إنما اختلفت ألفاظ الروايتين مع أنهما إخبار عن أمر واحد لأنهما إنما تخبران عن المعنى دون اللفظ فلعل اللفظ كان غير عربي ، أما ما يتراءى فيهما من الاختلاف في المعنى فيمكن إرجاع إحداهما إلى الأخرى وذلك لأن التوحيد والتسمية مشتركان في الثناء ولعلهما كانا مجتمعين فاكتفى في كل من الروايتين بذكر أحدهما ، ومن أيقن بالقدر علم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، فلم يحزن على ما فاته ولم يخش إلا الله ، ومن أيقن بالحساب نظر إلى الدنيا بعين العبرة ورأى تقلبها بأهلها فلم يركن إليها فلم يفرح بما آتاه ، فهذه خصال متلازمة اكتفي في إحدى الروايتين ببعضها ، وفي الأخرى بآخر ، وأماقوله : ينبغي. إلى آخره ، فلعله من كلام الرضا عليهالسلام دون أن يكون من جملة ما في الكنز وعلى تقدير أن يكون من جملة ذلك فذكره في إحدى الروايتين لا ينافي السكوت عنه في الأخرى ، انتهى.
« لمن عقل عن الله » أي حصل له معرفة ذاته وصفاته المقدسة من علمه وحكمته ولطفه ورحمته ، أو أعطاه الله عقلا كاملا أو علم الأمور بعلم ينتهي إلى الله بأن أخذه عن أنبيائه وحججه عليهماالسلام إما بلا واسطة أو بواسطة ، أو بلغ عقله إلى درجة يفيض الله علومه عليه بغير تعليم بشر ، أو تفكر فيما أجرى الله على لسان الأنبياء والأوصياء وفيما أراه من آياته في الآفاق والأنفس وتقلب أحوال الدنيا وأمثالها ، والثاني أظهر لقول الكاظم عليهالسلام لهشام : يا هشام ما بعث الله أنبياءه ورسله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله ، وقال أيضا : أنه لم يخف الله من لم يعقل عن الله ، ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها ويجد حقيقتها في قلبه.
« أن لا يتهم الله في قضائه » بأن يظن أن ما لم يقدره الله له خير مما قدر له ،