مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - العلامة المجلسي - الصفحة ٤٥ - كتاب العقل والجهل
( وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) [١]
يا هشام ثم خوف الذين لا يعقلون عقابه فقال تعالى ( ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ. وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ. وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) [٢]. ـ وقال ( إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ
مع عدم مشاركتهم إياه في شيء من الكمالات في التعظيم والتكريم والتذلل والعبادة تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ، ( كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ ) أي نبينها فإن التمثيل فيما دل عليه البرهان مما يكشف المعاني ، ويدفع المشاغبات والمعارضات الوهمية ( لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) أي يستعملون عقولهم الكاملة في تدبر الأمثال.
قوله تعالى ( وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا ) : أي أعمالها ( إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ ) لقلة نفعها وانقطاعها أو لأنها تلهي الناس وتشغلهم عما يعقب منفعة دائمة ( وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ ) لدوامها وخلوص منافعها ولذاتها ( لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) فيه تنبيه على أن ما ليس من أعمال المتقين لعب ولهو ( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) أو ليس لكم عقل كامل حيث تركتم الأعلى للأدنى مع العلم بالتفاوت بينهما.
قوله : عقابه ، إما مفعول لقوله خوف أو يعقلون أو لهما على التنازع ، والتدمير : الإهلاك ، أي بعد ما نجينا لوطا وأهله أهلكنا قومه « وإنكم» يا أهل مكة ( لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ ) أي على منازلهم في متاجركم إلى الشام ، فإن سدوم في طريقه ( مُصْبِحِينَ ) أي داخلين في الصباح ( وَبِاللَّيْلِ ) أي ومساء أو نهارا وليلا فليس فيكم عقل تعتبرون به.
قوله تعالى ( عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ ) أي قرية قوم لوط ( رِجْزاً مِنَ السَّماءِ ) أي عذابا منها ، واختلفوا فيه فقيل : إنه كان حجارة من سجيل ، وقيل : كان نارا وقيل هو تقليب الأرض ، وقد يوجه هذا بأن المراد إنزال مبدئه والقضاء به من السماء لا عينه وهو تكلف مستغنى عنه ( بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ) أي بسبب استمرارهم على الفسق.
[١] سورة الأنعام : ٣٢. [٢] سورة الصافات : ١٣٧ ـ ١٣٩.