مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - العلامة المجلسي - الصفحة ١٠٤ - صفة العلم وفضله وفضل العلماء
لم يورثوا درهما ولا دينارا وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظا وافرا فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه فإن فينا
وبعد وفاتهم الدينار والدرهم ، ولا ينافي أن يرث وارثهم الجسماني منهم ما يبقى بعدهم من الأموال الدنيوية ، أو يقال وارثهم من حيث النبوة المختصة بهم العلماء فلا ينافي ذلك كون وارثهم من جهة الأنساب الجسمانية يرث أموالهم الظاهرة ، فأهل البيت عليهالسلام ورثوا النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم من الجهتين معا ، على أنه يحتمل أن يكون الأنبياء عليهمالسلام لم يبق منهم خصوص الدينار والدرهم بعد وفاتهم ، لكن الظاهر أنه ليس المراد حقيقة هذا الكلام ، بل المراد ما أومأنا إليه من أن عمدة أموالهم وما كانوا يعتنون به ويورثونه هو العلم ، دون المال وذكر الدينار والدرهم على المثال.
ويخطر بالبال وجه آخر وهو أن يكون المراد بقوله عليهالسلام : أن الأنبياء لم يورثوا بيان الموروث فيه ، لأنه عليهالسلام لما قال إن العلماء ورثة الأنبياء فكأن سائلا يسأل أي شيء أورثوا لهم؟ فأجاب بأنه لم يورثوا لهم الدرهم والدينار ولكن أورثوا لهم الأحاديث ، ولذا قال أحاديث من أحاديثهم ، لأن جميع علومهم لم يصل إلى جميع العلماء ، بل كل عالم أخذ منها بحسب قابليته واستعداده ، ففي الكلام تقدير : أي لم يورثوا لهم ، فيشعر بأن لهم ورثة يرثون أموالهم ولكن العلماء من حيث العلم لا يرثون إلا أحاديثهم ، وهذا وجه وجيه وإن كان قريبا مما مر.
قوله عليهالسلام فقد أخذ حظا وافرا : أي فقد أخذ أمرا عظيما شريفا على سياق قوله سبحانه ( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ) أو فليأخذ حظا وافرا [ منهم ] لما قد تبين أنه شيء شريف ، وينبغي الإكثار من مثل هذا الشيء والمبالغة في طلبه ، والتفريع في قوله : فانظروا [ في ] علمكم هذا إما لأنه أمر شريف عظيم فينبغي التفكر والتدبر في مأخذه حتى لا يكون ما يؤخذ منه ناقصا أو مشوبا بغيره ، أو لأنه لما تبين أنه ميراث الأنبياء فينبغي أن يؤخذ ممن يكون علمه مأخوذا منهم ، ويكون وارثهم وأحق الخلق بهم ، وهم أهل بيت النبوة صلوات الله عليهم وقد قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم