قصص الانبياء - ابن كثير - الصفحة ١٢٦
سَأَلُوا الرُّؤْيَةَ أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: " وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ".
وَقَالَ هَاهُنَا " فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَو شِئْت أهلكتهم من قبل وإياي ".
قَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَق: اخْتَارَ مُوسَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَبْعِينَ رَجُلًا: الْخَيِّرَ فَالْخَيِّرَ، وَقَالَ انْطَلَقُوا إِلَى اللَّهِ فَتُوبُوا إِلَيْهِ بِمَا صَنَعْتُمْ وَسَلُوهُ التَّوْبَةَ عَلَى مَنْ تَرَكْتُمْ وَرَاءَكُمْ مِنْ قَوْمِكُمْ، صُومُوا وَتَطَهَّرُوا وَطَهِّرُوا ثِيَابَكُمْ.
فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى طُورِ سَيْنَاءَ، لِمِيقَاتٍ وَقَّتَهُ لَهُ رَبَّهُ، وَكَانَ لَا يَأْتِيهِ إِلَّا بِإِذْنٍ مِنْهُ وَعِلْمٍ.
فَطَلَبَ [١] مِنْهُ السَّبْعُونَ أَنْ يَسْمَعُوا كَلَامَ اللَّهِ، فَقَالَ: أَفْعَلُ.
فَلَمَّا دَنَا مُوسَى مِنَ الْجَبَلِ، وَقَعَ عَلَيْهِ عَمُودُ الْغَمَامِ حَتَّى تَغَشَّى الْجَبَلَ كُلَّهُ، وَدَنَا مُوسَى فَدَخَلَ فِي الْغَمَامِ، وَقَالَ لِلْقَوْمِ: ادْنُوا.
وَكَانَ مُوسَى إِذَا كَلَّمَهُ اللَّهُ، وَقَعَ عَلَى جَبْهَتِهِ نُورٌ سَاطِعٌ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَضرب دونه الْحجاب، وَدَنَا الْقَوْمُ حَتَّى إِذَا دَخَلُوا فِي الْغَمَامِ وَقَعُوا سجودا، فسمعوه وَهُوَ يكلم مُوسَى، يَأْمُرهُ وَيَنْهَاهُ: افْعَلْ وَلَا تَفْعَلْ.
فَلَمَّا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ أَمْرِهِ وَانْكَشَفَ عَنْ مُوسَى الْغَمَامَ أَقْبَلَ إِلَيْهِم فَقَالُوا: " يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى الله جهرة " فَأَخَذتهم الرجفة، وَهِي الصاعقة فأتلفت [٢] أَرْوَاحُهُمْ فَمَاتُوا جَمِيعًا.
فَقَامَ مُوسَى يُنَاشِدُ رَبَّهُ وَيَدْعُوهُ، وَيَرْغَبُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ: " رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهلكتهم من قبل
[١] ا: فَقَالَ لَهُ وَطلب مِنْهُ.
[٢] ا: فأثلبت وَفِي ط: فالتقت.
وَمَا أثْبته أرى أَنه الصَّوَاب.
(*)