اعجاز القران - الباقلاني - الصفحة ١٩٤
/ ثم ذكر الفاصلة التى أو غلت في التأكيد، وكفت في التظليم، وردت آخر الكلام على أوله، وعطفت عجزه على صدره.
ثم ذكر وعده تخليصهم بقوله: (وَنُرِيدُ أَن نمن على الذين استضعفوا
في الأرض ونجعلهم أَئمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ) [١] .
وهذا من التأليف بين المؤتلف، والجمع بين المستأنس.
كما أن قوله: (وَاْبتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ، وَلاَ تَنْسَ نَصيبَك مِنَ الدُّنْيَا، وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلاّ تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحبُّ الْمُفسِدِينَ) (٢) .
وهي خمس كلمات، متباعدة في المواقع، نائية المطارح، قد جعلها النظم البديع أشد تألفا [٣] من الشئ المؤتلف في الأصل، وأحسن توافقاً من المتطابق في أول الوضع.
ومثل هذه الآية قوله: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَختَارُ، مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَة، سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالى عَمَا يُشْرِكُونَ) (٤) .
ومثلها: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها، فَتِلْكَ مَسَاكِنُهمُ لَم تُسْكَن مِن بَعْدِهم إِلاَ قَليلاُ، وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثينَ) (٥) .
/ ومن المؤتلف قوله: (فَخَسْفنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ، فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ، وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ) (٦) .
وهذه ثلاث كلمات، كل كلمة منها أعز من الكبريت الأحمر.
ومن الباب الآخر (٧) قوله تعالى: (وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ، لا إله إلا هو، كل شئ هالك إِلاَّ وَجْهَهُ، لَهُ الْحُكْمُ، وَإِلَيْهِ تُرجَعُونَ) (٨) .
* * * كل سورة من هذه السور تتضمن من القصص ما لو تكلفت العبارة عنها بأضعاف كلماتها، لم تستوف ما استوفته.
ثم تجد فيما تنظم ثقل النظم،
[١] سورة النمل: ٥ (٢) سورة القصص: ٧٧
[٣] م: " تأليفا " (٤) سورة القصص: ٦٨ (٥) سورة القصص: ٥٨ (٦) سورة القصص: ٨١ (٧) كذا في ك، س وفى م: " ومن الباب قوله " (٨) سورة القصص: ٨٨ (*)