اعجاز القران - الباقلاني - الصفحة ١٧٧
إثرنا "، ولو قال " على إثرنا " كان كافيا، والذيل إنما يجر [١] وراء الماشي، فلا فائدة لذكره " وراءنا "، وتقدير القول: فقمت أمشي بها، وهذا أيضاً ضرب من التكلف.
وقوله " أذيال مرط "، كان من سبيله أن يقول: ذيل مرط.
على أنه لو سلم من ذلك كان قريباً ليس مما يفوت بمثله غيره، ولا يتقدم به سواه.
وقول ابن المعتز أحسن منه: / فبت أفرش خدي في الطريق له * ذلا وأسحب أكمامي على الاثر (٢) وأما البيت الثاني فقوله " أجزنا " بمعنى " قطعنا "، و " الخبت ": بطن من الارض، و " الحقف ": رمل منعرج، " العقنقل ": المنعقد من الرمل الداخل بعضه في بعض.
وهذا بيت متفاوت (٣) مع الأبيات المتقدمة، لأن فيها ما هو سلس [٤] قريب يشبه كلام المولدين وكلام البذلة، وهذا قد أغرب فيه وأتى بهذه اللفظة الوحشية المتعقدة، وليس في ذكرها والتفضيل بإلحاقها بكلامه (٥) فائدة.
والكلام الغريب واللفظة الشديدة المباينة [٦] لنسج الكلام قد تحمد إذا وقعت موقع الحاجة في وصف ما يلائمها، كقوله عز وجل في وصف يوم القيامة: (يَوْمَاً عَبُوساً قَمْطَرِيراً) (٧) .
فأما إذا وقعت في غير هذا الموقع، فهي مكروهة مذمومة، بحسب ما تحمد في موضعها.
وروي أن جريراً أنشد بعض خلفاء بني أمية قصيدته [٨] : بان الخليطُ برامتينِ فودعوا * أو كلما جَدُّوا لبينٍ تجزعُ؟ / كيف العزاءُ ولم أجد مُذ بِنْتُمُ * قلباً يقرُّ ولا شراباً ينقع [٩] قال: وكان يزحف من حسن هذا الشعر، حتى بلغ قوله: وتقول بَوْزَعُ: قد دببت على العصا * هلاّ هزِئتِ بغيرنا يابوزع
[١] م: " إنما ينجر " (٢) كذا في م، ك، ا، وفى س: " أذيالي " (٣) كذا في م، ك: " متقارب ".
[٤] ك: " سلس القياد قريب " (٥) س، ك: " كلاهما ".
[٦] سورة الانسان: ١٠ (٧) م: " الشريدة المتباينة ".
[٨] الخبر في الشعر والشعراء ١ / ١٥.
[٩] ا: " ولم أفد " ك: " ولا شراب " إعجاز القرآن (*)