احكام القران للجصاص - ط العلميه - الجصاص - الصفحة ٤٤٩
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْغِنَاءَ عَلَى مَا تَأَوَّلُوهُ عَلَيْهِ، وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا الْقَوْلَ بِمَا لَا عِلْمَ لِلْقَائِلِ بِهِ; وَهُوَ عَلَى الْأَمْرَيْنِ لِعُمُومِ اللَّفْظِ. قَوْله تَعَالَى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً} قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ: "إذَا أُوذُوا مَرُّوا كِرَامًا صَفَحُوا". وَرَوَى أَبُو مَخْزُومٍ عَنْ سنان: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً} قَالَ: "إذَا مَرُّوا بِالرَّفَثِ كَنَوْا". وَقَالَ الْحَسَنُ: "اللَّغْوُ كُلُّ الْمَعَاصِي". قَالَ السُّدِّيُّ: هِيَ مَكِّيَّةٌ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَعْنِي أَنَّهُ قَبْلَ الْأَمْرِ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ.
وقَوْله تَعَالَى: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} قِيلَ: "لَازِمًا مُلِحًّا دَائِمًا"، وَمِنْهُ الْغَرِيمُ لِمُلَازَمَتِهِ وَإِلْحَاحِهِ، وَإِنَّهُ لَمُغْرَمٌ بِالنِّسَاءِ أَيْ مُلَازِمٌ لَهُنَّ لَا يَصْبِرُ عَنْهُنَّ; وَقَالَ الْأَعْشَى:
إنْ يُعَاقِبْ يكن غراما وإن يعـ ... ـط جَزِيلًا فَإِنَّهُ لَا يُبَالِي
وَقَالَ بِشْرُ بْنُ أَبِي خَازِمٍ:
يَوْمَ النِّسَارِ وَيَوْمَ الْجِفَا ... رِ كَانَا عَذَابًا وَكَانَا غَرَامَا
قَالَ لَنَا أَبُو عُمَرَ غُلَامُ ثَعْلَبٍ: أَصْلُ الْغُرْمِ اللُّزُومُ فِي اللُّغَةِ; وَذَكَرَ نَحْوًا مِمَّا قَدَّمْنَا. وَيُسَمَّى الدَّيْنُ غُرْمًا وَمَغْرَمًا; لِأَنَّهُ يَقْتَضِي اللُّزُومَ وَالْمُطَالَبَةَ، فَيُقَالُ لِلطَّالِبِ الْغَرِيمُ; لِأَنَّ لَهُ اللُّزُومَ وَلِلْمَطْلُوبِ غَرِيمٌ; لِأَنَّهُ يَثْبُتُ عَلَيْهِ اللُّزُومُ; وَعَلَى هَذَا قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ لِصَاحِبِهِ غُنْمَهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ" يَعْنِي دَيْنَهُ الَّذِي هُوَ مَرْهُونٌ بِهِ. وَزَعَمَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْغُرْمَ الْهَلَاكُ; قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَهَذَا خَطَأٌ فِي اللُّغَةِ. وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: "لَيْسَ غَرِيمٌ إلَّا مُفَارِقًا غَرِيمَهُ غَيْرَ جَهَنَّمَ فَإِنَّهَا لَا تُفَارِقُ غَرِيمَهَا".
قَوْله تَعَالَى: {قُرَّةَ أَعْيُنٍ} قَالَ الْحَسَنُ: "قُرَّةُ الْأَعْيُنِ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ أَنْ يَرَى الْعَبْدُ مِنْ زَوْجَتِهِ وَمِنْ أَخِيهِ طَاعَةَ اللَّهِ تَعَالَى" وَقَالَ: "وَاَللَّهِ مَا شَيْءٌ أَقَرُّ لِعَيْنِ الْمُسْلِمِ مِنْ أَنْ يَرَى وَلَدَهُ أَوْ وَالِدَهُ أَوْ وَلَدَ وَلَدِهِ أَوْ أَخَاهُ أَوْ حَمِيمًا مُطِيعًا لِلَّهِ تَعَالَى". وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ: "أَقَرُّ بِهِمْ عَيْنًا أَنْ يُطِيعُوك". وَرَوَى أَبُو أُسَامَةَ عَنْ الْأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِي الزاهرية عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نَفِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ رُزِقَ إيمَانًا وَحُسْنَ خُلُقٍ فَذَاكَ إمَامُ الْمُتَّقِينَ". وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} "نَأْتَمُّ بِمَنْ قَبْلَنَا حَتَّى يَأْتَمَّ بِنَا مَنْ بَعْدَنَا". وقَوْله تَعَالَى: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ} قَالَ مُجَاهِدٌ: مَا يَصْنَعُ بِكُمْ رَبِّي وَهُوَ لَا يَحْتَاجُ إلَيْكُمْ لَوْلَا دُعَاؤُهُ إيَّاكُمْ إلَى طَاعَتِهِ لِتَنْتَفِعُوا أَنْتُمْ بِذَلِكَ. آخِرُ سُورَةِ الْفُرْقَانِ.