احكام القران للجصاص - ط العلميه - الجصاص - الصفحة ٢٢١
قَوْله تَعَالَى: {لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ: "رَأَى صُورَةَ يَعْقُوبَ عَاضًّا عَلَى أَنَامِلِهِ" وَقَالَ قَتَادَةُ: "نُودِيَ يَا يُوسُفُ أَنْتَ مَكْتُوبٌ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَتَعْمَلُ عَمَلَ السُّفَهَاءِ" وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّهُ رَأَى الْمَلَكَ". وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: "هُوَ مَا عَلِمَهُ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى عِقَابِ الزِّنَا".
قَوْله تَعَالَى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ} الْآيَةَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَهِلَالِ بْنِ يَسَارٍ: "أَنَّهُ صَبِيٌّ فِي الْمَهْدِ" وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَالْحَسَنِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ وَعِكْرِمَةَ قَالُوا: "هُوَ رَجُلٌ" وَقَالَ عِكْرِمَةُ: "إنَّ الْمَلِكَ لَمَّا رَأَى يُوسُفَ مَشْقُوقَ الْقَمِيصِ عَلَى الْبَابِ قَالَ ذَلِكَ لِابْنِ عَمٍّ لَهُ، فَقَالَ: إنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ، فَإِنَّهُ طَلَبَهَا فَامْتَنَعَتْ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ دُبُرٍ، فَإِنَّهُ فَرَّ مِنْهَا وَطَلَبَتْهُ". وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَحْتَجُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي الْحُكْمِ بِالْعَلَامَةِ فِي اللُّقَطَةِ إذَا ادَّعَاهَا مُدَّعٍ وَوَصَفَهَا.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مُدَّعِي اللُّقَطَةِ إذَا وَصَفَ عَلَامَاتٍ فِيهَا، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ: "لَا يَسْتَحِقُّهَا بِالْعَلَامَةِ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ، وَلَا يُجْبَرُ الْمُلْتَقِطُ عَلَى دَفْعِهَا إلَيْهِ بِالْعَلَامَةِ، وَيَسَعُهُ أَنْ يَدْفَعَهَا، وَإِنْ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ فِي الْقَضَاءِ". وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: "فِي قِيَاسِ قَوْلِ مَالِكٍ يَسْتَحِقُّهَا بِالْعَلَامَةِ وَيُجْبَرُ عَلَى دَفْعِهَا إلَيْهِ، فَإِنْ جَاءَ مُسْتَحِقٌّ فَاسْتَحَقَّهَا بِبَيِّنَةٍ لَمْ يَضْمَنْ الْمُلْتَقِطُ شَيْئًا". وَقَالَ مَالِكٌ: "وَكَذَلِكَ اللُّصُوصُ إذَا وُجِدَ مَعَهُمْ أَمْتِعَةٌ فَجَاءَ قَوْمٌ فَادَّعَوْهَا وَلَيْسَ لَهُمْ بَيِّنَةٌ أَنَّ السُّلْطَانَ يَتَلَوَّمُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ غَيْرُهُمْ دَفَعَهُ إلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ الْآبِقُ". وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: "يَدْفَعُهَا إلَيْهِ بِالْعَلَامَةِ" وَقَالَ أَصْحَابُنَا فِي اللَّقِيطِ إذَا ادَّعَاهُ رَجُلَانِ وَوَصَفَ أَحَدُهُمَا عَلَامَةً فِي جَسَدِهِ: "إنَّهُ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ". وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ إذَا اخْتَلَفَ فِيهِ الرَّجُلُ، وَالْمَرْأَةُ: "إنَّ مَا يَكُونُ لِلرَّجُلِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ وَمَا كَانَ لِلنِّسَاءِ فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ وَمَا كَانَ لِلرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ" فَحَكَمُوا فِيهِ بِظَاهِرِ هَيْئَةِ الْمَتَاعِ. وَقَالُوا فِي الْمُسْتَأْجِرِ، وَالْمُؤَاجِرِ إذَا اخْتَلَفَا فِي مِصْرَاعِ بَابٍ مَوْضُوعٍ فِي الدَّارِ: "إنَّهُ إنْ كَانَ وَفْقًا لِمِصْرَاعٍ مُعَلَّقٍ فِي الْبِنَاءِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الدَّارِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَفْقًا لَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ جِذْعٌ مَطْرُوحٌ فِي دَارٍ وَعَلَيْهِ نُقُوشٌ وَتَصَاوِيرُ مُوَافِقَةٌ لِنُقُوشِ جُذُوعِ السَّقْفِ وَوَفْقًا لَهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الدَّارِ، وَإِنْ كَانَتْ مُخَالِفَةً لَهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ". وَهَذِهِ مَسَائِلُ قَدْ حَكَمُوا فِي بَعْضِهَا بِالْعَلَامَةِ وَلَمْ يَحْكُمُوا بِهَا فِي بَعْضٍ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا أَنَّ رَجُلَيْنِ لَوْ تَنَازَعَا عَلَى قِرْبَةٍ وَهُمَا مُتَعَلِّقَانِ بِهَا وَأَحَدُهُمَا سَقَّاءٌ، وَالْآخَرُ عَطَّارٌ أَنَّهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَلَا يُقْضَى لِلسَّقَّاءِ بِذَلِكَ عَلَى الْعَطَّارِ، فَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي اللُّقَطَةِ، فَإِنَّ الْمُلْتَقِطَ لَهُ يَدٌ صَحِيحَةٌ، وَالْمُدَّعِي لَهَا يُرِيدُ إزَالَةَ يَدِهِ وَقَالَ النَّبِيِّ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" وكون الذي