احكام القران للجصاص - ط العلميه - الجصاص - الصفحة ٤٥٩
بِالْمَعْرُوفِ، وَفِعْلُ ضِدِّهِ يُنَافِي مُصَاحَبَتَهُمَا بِالْمَعْرُوفِ; وَلِذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّ الْأَبَ لَا يُحْبَسُ بِدَيْنِ ابْنِهِ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَحْبِسُهُ إذَا كَانَ مُتَمَرِّدًا.
وقَوْله تَعَالَى: {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى إيَّانَا بِاتِّبَاعِهِمْ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: ١١٥] .
وقَوْله تَعَالَى: {وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً} الْمَرَحُ الْبَطَرُ وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ وَازْدِرَاءُ النَّاسِ وَالِاسْتِهَانَةُ بِهِمْ، فَنَهَى اللَّهُ عَنْهُ; إذْ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا جَاهِلٌ بِنَفْسِهِ وَأَحْوَالِهِ وَابْتِدَاءِ أَمْرِهِ وَمُنْتَهَاهُ; قَالَ الْحَسَنُ: أَنَّى لِابْنِ آدَمَ الْكِبْرَ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ سَبِيلِ الْبَوْلِ مَرَّتَيْنِ. وقَوْله تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} قَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الْمُتَكَبِّرُ وَالْفَخُورُ الَّذِي يَفْتَخِرُ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى النَّاسِ اسْتِصْغَارًا لَهُمْ، وَذَلِكَ مَذْمُومٌ; لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الشُّكْرَ لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ لَا التَّوَصُّلَ بِهَا إلَى مَعَاصِيهِ. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ ذَكَرَ نِعَمَ اللَّهِ "أَنَّهُ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ"، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَهَا شُكْرًا لَا افْتِخَارًا، عَلَى نَحْوِ قَوْله تَعَالَى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى:١١] .
قَوْله تَعَالَى: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} قَالَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ: "هُوَ السُّرْعَةُ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَأَوَّلَهُ عَلَى ذَلِكَ; لِأَنَّ الْمُخْتَالَ فِي مِشْيَتِهِ لَا يُسْرِعُ فِيهَا فَسُرْعَةُ الْمَشْيِ تُنَافِي الْخُيَلَاءَ وَالتَّكَبُّرَ.
وقَوْله تَعَالَى: {وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} فِيهِ أَمْرٌ بِخَفْضِ الصَّوْتِ; لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى التَّوَاضُعِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ} [الحجرات: ٣] وَرَفْعُ الصَّوْتِ عَلَى وَجْهِ ابْتِهَارِ النَّاسِ وَإِظْهَارِ الِاسْتِخْفَافِ بِهِمْ مَذْمُومٌ، فَأَبَانَ عَنْ قُبْحِ هَذَا الْفِعْلِ وَأَنَّهُ لَا فَضِيلَةَ فِيهِ; لِأَنَّ الْحَمِيرَ تَرْفَعُ أَصْوَاتَهَا وَهُوَ أَنْكَرُ الْأَصْوَاتِ; قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: {أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ} : أَقْبَحُهَا، كَمَا يُقَالُ: هَذَا وَجْهٌ مُنْكَرٌ; فَذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ وَأَدَّبَ الْعِبَادَ تَزْهِيدًا لَهُمْ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ.
وقَوْله تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ} مَفْهُومُ هَذَا الْخِطَابِ الْإِخْبَارُ بِمَا يَعْلَمُهُ هُوَ دُونَ خَلْقِهِ وَأَنَّ أَحَدًا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا بِإِعْلَامِهِ إيَّاهُ; وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حَقِيقَةَ وُجُودِ الْحَمْلِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ عِنْدَنَا وَإِنْ كَانَتْ قَدْ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ وُجُودَهُ، وَهَذَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ نَافِي حَمْلَ امْرَأَتِهِ مِنْ نَفْسِهِ غَيْرَ قَاذِفٍ لَهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا سَلَفَ.
قَوْله تَعَالَى: {وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً} يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَحَدًا لَا يَسْتَحِقُّ عِنْدَ اللَّهِ فَضِيلَةً بِشَرَفِ أَبِيهِ وَلَا بِنَسَبِهِ; لِأَنَّهُ لم يخصص