احكام القران للجصاص - ط العلميه - الجصاص - الصفحة ٤٣٥
وقَوْله تَعَالَى: {تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} يَعْنِي أَنَّ السَّلَامَ تَحِيَّةٌ مِنْ اللَّهِ; لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِهِ، وَهِيَ مُبَارَكَةٌ طَيِّبَةٌ; لِأَنَّهُ دُعَاءٌ بِالسَّلَامَةِ فَيَبْقَى أَثَرُهُ وَمَنْفَعَتُهُ. وَفِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: ٨٦] قَدْ أُرِيدَ بِهِ السَّلَامُ.
وقَوْله تَعَالَى: {وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} قَالَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "فِي الْجِهَادِ". وَقَالَ عَطَاءٌ: "فِي كُلِّ أَمْرٍ جَامِعٍ". وَقَالَ مَكْحُولٌ: "فِي الْجُمُعَةِ وَالْقِتَالِ". وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: "الْجُمُعَةُ"، وَقَالَ قَتَادَةُ: "كُلُّ أَمْرٍ هُوَ طَاعَةٌ لِلَّهِ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ. وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ: {وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ} الْآيَةَ، قَالَ: "كَانَ اللَّهُ أَنْزَلَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} [التوبة: ٤٣] فَرَخَّصَ لَهُ فِي هَذِهِ السورة: {فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ} فَنُسِخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ". وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ لَا مَعْنَى لِلِاسْتِئْذَانِ لِلْمُحْدِثِ فِي الْجُمُعَةِ; لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِمُقَامِهِ وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ مَنْعُهُ، فَلَا مَعْنَى لِلِاسْتِئْذَانِ فِيهِ; وَإِنَّمَا هُوَ فِيمَا يَحْتَاجُ الْإِمَامُ فِيهِ إلَى مَعُونَتِهِمْ فِي الْقِتَالِ أَوْ الرَّأْيِ.
وقَوْله تَعَالَى: {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "يَعْنِي احْذَرُوا إذَا أَسْخَطْتُمُوهُ دُعَاءَهُ عَلَيْكُمْ فَإِنَّ دُعَاءَهُ مُجَابٌ لَيْسَ كَدُعَاءِ غَيْرِهِ". وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: "اُدْعُوهُ بِالْخُضُوعِ وَالتَّعْظِيمِ نَحْوِ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَلَا تَقُولُوا: يَا مُحَمَّدُ كَمَا يَقُولُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ" قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ عَلَى الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا لِاحْتِمَالِ اللَّفْظِ لَهُمَا.
وقَوْله تَعَالَى: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً} يَعْنِي بِهِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَنْصَرِفُونَ عَنْ أَمْرٍ جَامِعٍ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ يَلُوذُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ وَيَسْتَتِرُ بِهِ لِئَلَّا يَرَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْصَرِفًا.
قَوْله تَعَالَى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} مَعْنَاهُ: فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ أَمْرَهُ. وَدَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ الْجَرِّ لِجَوَازِ ذَلِكَ فِي اللُّغَةِ، كَقَوْلِهِ: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ} [النساء: ١٥٥] مَعْنَاهُ: فَبِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ. وَ "الْهَاءُ" فِي "أَمْرِهِ" يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرًا لِلَّهِ تَعَالَى; وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا لِلَّهِ; لِأَنَّهُ يَلِيهِ، وَحُكْمُ الْكِنَايَةِ رُجُوعُهَا إلَى مَا يَلِيهَا دُونَ مَا تَقَدَّمَهَا. وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ أَوَامِرَ اللَّهِ عَلَى الْوُجُوبِ; لِأَنَّهُ أَلْزَمَ اللَّوْمَ وَالْعِقَابَ لِمُخَالَفَةِ الْأَمْرِ، وَذَلِكَ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَقْبَلَهُ فَيُخَالِفَهُ بِالرَّدِّ لَهُ. وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَفْعَلَ الْمَأْمُورُ بِهِ وَإِنْ كَانَ مُقِرًّا بِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ وَمُعْتَقِدًا لِلُزُومِهِ; فَهُوَ عَلَى الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا وَمَنْ