احكام القران للجصاص - ط العلميه - الجصاص - الصفحة ٢١٥
وَالْإِنْصَاتِ إلَيْهِمْ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: {فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام:٦٨] .
وقَوْله تَعَالَى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} قِيلَ فِيهِ: لَا يُهْلِكُهُمْ بِظُلْمٍ صَغِيرٍ يَكُونُ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: بِظُلْمٍ كَبِيرٍ يَكُونُ مِنْ قَلِيلٍ مِنْهُمْ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إنَّ اللَّهَ لَا يُهْلِكُ الْعَامَّةَ بِذُنُوبِ الْخَاصَّةِ" وَقِيلَ: لَا يُهْلِكُهُمْ وَهُوَ ظَالِمٌ لَهُمْ، كَقَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً} [يونس:٤٤] فِيهِ إخْبَارٌ بِأَنَّهُ لَا يُهْلِكُ الْقُرَى وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ وَقَالَ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى: {وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الإسراء:٥٨] فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ النَّاسَ يَصِيرُونَ إلَى غَايَةِ الْفَسَادِ عِنْدَ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ وَلِذَلِكَ يُهْلِكُهُمْ اللَّهُ، وَهُوَ مِصْدَاقُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إلَّا عَلَى شِرَارِ الْخَلْقِ".
قَوْله تَعَالَى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} قَالَ قَتَادَةُ: يَجْعَلُهُمْ مُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ بِالْإِلْجَاءِ إلَى الْإِيمَانِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْإِلْجَاءُ بِالْمَنْعِ; لِأَنَّهُمْ لَوْ رَامُوا خِلَافَهُ مُنِعُوا مِنْهُ مَعَ الِاضْطِرَارِ إلَى حُسْنِهِ وَعِظَمِ الْمَنْفَعَةِ بِهِ قَوْله تَعَالَى: {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} قَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَقَتَادَةُ، وَالْأَعْمَشُ أَيْ مُخْتَلِفِينَ فِي الْأَدْيَانِ يَهُودِيٌّ وَنَصْرَانِيٌّ وَمَجُوسِيٌّ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ اخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ الْفَاسِدَةِ". وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ: "فِي الْأَرْزَاقِ، وَالْأَحْوَالِ مِنْ تَسْخِيرِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ". قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} إنَّمَا هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الْمُخْتَلِفِينَ بِالْبَاطِلِ بِالْإِطْلَاقِ فِي الْإِيمَانِ الْمُؤَدِّي إلَى الثَّوَابِ، فَإِنَّهُ نَاجٍ مِنْ الِاخْتِلَافِ بِالْبَاطِلِ.
قَوْله تَعَالَى: {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ: "خَلَقَهُمْ لِلرَّحْمَةِ". وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ: "خَلَقَهُمْ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُ بِاخْتِلَافِهِمْ" وَهِيَ "لَامُ الْعَاقِبَةِ، قَالُوا: وَقَدْ تَكُونُ" اللَّامُ" بِمَعْنَى "عَلَى" كَقَوْلِك: أَكْرَمْتُك عَلَى بِرِّك وَلِبِرِّك بي. آخر سورة هود عليه السلام.