زاد المسير في علم التفسير - ابن الجوزي - الصفحة ٥٣٤
معدول عن وجهه ووزنه فهو مصروف عن إِعرابه كقوله: وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [١] فأسقط الهاء لأنها مصروفة، عن «باغية» فقاس هذا الكافر قُدرة الله تعالى بقُدرة الخَلْق، فأنكر إِحياء العظم البالي لأن ذلك ليس في مقدور الخَلْق. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أي: ابتدأ خَلْقها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ من الابتداء والإِعادة عَلِيمٌ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً قال ابن قتيبة: أراد الزُّنُودَ التي تُورِي بها الأَعرابُ من شجر المَرْخِ والعَفَار. فإن قيل: لم قال: «الشَّجَرِ الأَخضرِ» . ولم يقل: الشَّجَرِ الخُضْر. فالجواب: أن الشجر جمع، وهو يؤنَّث ويذكَّر، قال الله تعالى: فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ [٢] ، وقال: فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ. ثم ذكر ما هو أعظم من خَلْق الإِنسان، فقال: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ
وقرأ أبو بكر الصِّدِّيق، وعاصم الجحدري: «يَقْدِرُ» بياء من غير ألف عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وهذا استفهام تقرير والمعنى: مَنْ قَدَرَ على ذلك العظيم، قَدَرَ على هذا اليسير. وقد فسرنا معنى «أن يَخْلُقَ مِثْلَهم» في بني إسرائيل [٣] ثم أجاب عن هذا الاستفهام فقال: بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ يخلُق خَلْقاً بَعْدَ خَلْق. وقرأ أُبيُّ بن كعب، والحسن، وعاصم الجحدري: «وهو الخَالِقُ» الْعَلِيمُ بجميع المعلومات. والمَلَكوتُ والمُلْكُ واحد. وباقي السورة قد تقدّم شرحه [٤] . والله أعلم بالصّواب.
[١] مريم: ٢٨.
[٢] الواقعة: ٥٣.
[٣] الإسراء: ٩٩.
[٤] البقرة: ٣٢- ١١٧، الأنعام: ٧٥.