تفسير الطبري جامع البيان - ط هجر - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٦٢١
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " {§كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [البقرة: ٢١٣] قَالَ: كَانُوا عَلَى الْهُدَى جَمِيعًا، فَاخْتَلَفُوا {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [البقرة: ٢١٣] فَكَانَ أَوَّلَ نَبِيٍّ بُعِثَ نُوحٌ " فَتَأْوِيلُ الْأُمَّةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الدِّينُ كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيُّ:
[البحر الطويل]
حَلَفْتُ فَلَمْ أَتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ... وَهَلْ يَأْثَمَنْ ذُو أُمَّةٍ وَهْوَ طَائِعُ
-[٦٢٢]- يَعْنِي ذَا الدِّينَ. فَكَانَ تَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى مَعْنَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً مُجْتَمِعَةً عَلَى مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ وَدِينٍ وَاحِدٍ، فَاخْتَلَفُوا، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ. وَأَصْلُ الْأُمَّةِ الْجَمَاعَةُ، تَجْتَمِعُ عَلَى دَيْنٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يُكْتَفَى بِالْخَبَرِ عَنِ الْأُمَّةِ مِنَ الْخَبَرِ عَنِ الدِّينِ لِدِلَالَتِهَا عَلَيْهِ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [المائدة: ٤٨] يُرَادُ بِهِ أَهْلُ دَيْنٍ وَاحِدٍ، وَمِلَّةٍ وَاحِدَةٍ. فَوَجَّهَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَأْوِيلِهِ قَوْلَهُ: " {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [البقرة: ٢١٣] إِلَى أَنَّ النَّاسَ كَانُوا أَهْلَ دِينٍ وَاحِدٍ حَتَّى اخْتَلَفُوا " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ تَأْوِيلُ ذَلِكَ كَانَ آدَمُ عَلَى الْحَقِّ إِمَامًا لِذُرِّيَّتِهِ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ فِي وَلَدِهِ وَوَجَّهُوا مَعْنَى الْأُمَّةَ إِلَى الطَّاعَةِ لِلَّهِ وَالدُّعَاءِ إِلَى تَوْحِيدِهِ وَاتِّبَاعِ أَمْرِهِ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا} [النحل: ١٢٠] يَعْنِي بِقَوْلِهِ {أُمَّةً} [البقرة: ٢١٣] إِمَامًا فِي الْخَيْرِ يُقْتَدَى بِهِ، وَيُتَّبَعُ عَلَيْهِ