تفسير الطبري جامع البيان ت شاكر - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٤٩٢
واختلف أهل العربية في معنى (أم) التي في قوله: (أم تريدون) . فقال بعض البصريين: هي بمعنى الاستفهام. وتأويل الكلام: أتريدون أن تسألوا رسولكم؟
* * *
وقال آخرون منهم: هي بمعنى استفهام مستقبل منقطع من الكلام، كأنك تميل بها إلى أوله، كقول العرب: إنها لإبل يا قوم أم شاء" و"لقد كان كذا وكذا أم حدس نفسي؟ " قال: وليس قوله: (أم تريدون) على الشك، ولكنه قاله ليقبح له صنيعهم. واستشهد لقوله ذلك ببيت الأخطل:
كذبَتْك عينُك أم رأيت بواسط ... غَلَس الظلام من الرَّباب خيالا [١]
* * *
وقال بعض نحويي الكوفيين: إن شئت جعلت قوله: (أم تريدون) استفهاما على كلام قد سبقه، كما قال جل ثناؤه: (الم تَنزيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) [السجدة: ١-٣] ، فجاءت"أم" وليس قبلها استفهام، فكان ذلك عنده دليلا على أنه استفهام مبتدأ على كلام سبقه. وقال قائل هذه المقالة:"أم" في المعنى تكون ردا على الاستفهام على جهتين: إحداهما أن تُفَرِّق معنى"أي"، [٢] والأخرى: أن يستفهم بها فتكون على جهة النسق، والذي ينوي بها الابتداء، إلا أنه ابتداء متصل بكلام. [٣] فلو ابتدأت كلاما ليس قبله كلام ثم استفهمت، لم يكن إلا بـ "الألف" أو بـ "هل". [٤]
[١] ديوانه: ٤١، ونقائض جرير والخطل: ٧٠. وواسط: قرية غربي الفرات مقابل الرقة من أعمال الجزيرة، وهي من منازل بني تغلب، وهي غير واسط التي بناها الحجاج بين البصرة والكوفة. الغلس: ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بتباشير الصباح، فهي سواد مختلط ببياض وحمرة.
[٢] في المطبوعة: "تعرف معنى أي"، وفي لسان العرب (أمم ١٤: ٣٠٠) : "أن تفارق معنى أم" وكلتاهما خطأ صرف. والصواب في معاني القرآن للفراء١: ٧١. وذلك أن قولك: أزيد عندك أم عمرو"، معناه أيهما عندك. وبين أن"أم" تفرق الاستفهام، وأن"أي" تجمع متفرق الاستفهام. وقد قال الطبري فيما سلف في هذا الجزء ٢: ١٩٨: "إن أصل"أي" و"ما" جمع متفرق الاستفهام".
[٣] في المطبوعة: "وتكون على جهة النسق، وللذي ينوى به الابتداء"، والصواب من معاني القرآن للفراء.
[٤] هذا نص كلام الفراء في معاني القرآن ١: ٧١.