تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان في تفسير القران) - الثعالبي، أبو زيد - الصفحة ٣٥٨
تفسير سورة الرعد
قيل: مكّيّة إلّا بعض آيات، وقيل: مدنية، والظاهر أنّ المدنيّ فيها كثير.
[سورة الرعد (١٣) : الآيات [١] الى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ [١] اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)
قوله عز وجل: المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ: قال ابن عباس: هذه الحروفُ هي مِنْ قوله: «أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ وأرى» [١] .
وقوله سبحانه: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ ... الاية: قال جمهور النَّاس: لاَ عَمَدَ للسموات ألبتَّة، وهذا هو الحَق و «العمدُ» : اسم جَمْعٍ.
قوله سبحانه: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ: «ثم» هنا: لعطفِ الجُمَلِ، لا للترتيبِ لأن الاستواء على العَرْش قبل رَفْعِ السموات، ففي الصحيح عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السموات وَالأَرْضَ» [٢] وقد تقدَّم القول في هذا، وفي معنى الاستواء.
ت: والمعتَقَدُ في هذا: أنه سبحانَهُ مستو على العرشِ على الوَجْهِ الذي قاله، وبالمعنَى الذي أراده استواء منزَّهاً عن المماسَّة والاستقرار والتمكُّن والحلولِ والانتقال، لا
[١] ذكره ابن عطية (٣/ ٢٩٠) .
[٢] أخرجه البخاري (٦/ ٣٣٠- ٣٣١) كتاب «بدء الخلق» باب: ما جاء في قول الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، حديث (٣١٩١) ، وفي (١٣/ ٤١٤- ٤١٥) كتاب «التوحيد» باب: وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ، حديث (٧٤١٨) ، وأحمد (٤/ ٤٢٦، ٤٣١، ٤٣٣، ٤٣٦) ، والترمذي مختصرا (٥/ ٧٣٢- ٧٣٣) كتاب «المناقب» باب: مناقب في ثقيف وبني حنيفة، حديث (٣٩٥١) ، وابن حبان (١٤/ ١١) برقم: (٦١٤٢) ، والدارمي في «الرد على الجهمية» ص: (١٤) ، والبيهقي (٩/ ٢- ٣) ، وفي «الأسماء والصفات» ص: (٢٣١) كلهم من طريق الأعمش عن جامع بن شداد، عن صفوان بن محرز، عن عمران بن حصين به.