تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ٥٠٩
وَقَوْلُهُ: {فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ} أَيِ: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ وَغَلَبَهُ عَلَى أَمْرِهِ، فَمَهْمَا أَمَرَهُ امْتَثَلَ وَأَطَاعَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} أَيْ: مِنَ الْهَالِكِينَ الْحَائِرَيْنِ [١] الْبَائِرَيْنِ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ حَدِيثٌ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، عَنِ الصَّلْتِ بْنِ بَهْرام، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا جُنْدُب الْبَجَلِيُّ في هذا المسجد؛ أن حذيفة -يعني بن الْيَمَانِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -حَدَّثَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "أن مِمَّا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ رجُل قَرَأَ الْقُرْآنَ، حَتَّى إِذَا رُؤِيَتْ بَهْجَتُهُ عَلَيْهِ وَكَانَ رِدْء الْإِسْلَامِ اعْتَرَاهُ [٢] إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، انْسَلَخَ مِنْهُ، وَنَبَذَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَسَعَى عَلَى جَارِهِ بِالسَّيْفِ، وَرَمَاهُ بِالشِّرْكِ". قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَيُّهُمَا أَوْلَى بِالشِّرْكِ: الْمَرْمِيُّ أَوِ الرَّامِي؟ قَالَ: "بَلِ الرَّامِي".
هَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ [٣] وَالصَّلْتُ بْنُ بَهْرَامَ كَانَ مِنْ ثِقَاتِ الْكُوفِيِّينَ، وَلَمْ يُرْمَ بِشَيْءٍ سِوَى الْإِرْجَاءِ، وَقَدْ وَثَّقَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَغَيْرُهُمَا.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} يَقُولُ تَعَالَى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} أَيْ: لَرَفَعْنَاهُ مِنَ التَّدَنُّسِ عَنْ [٤] قَاذُورَاتِ الدُّنْيَا بِالْآيَاتِ الَّتِي آتَيْنَاهُ إِيَّاهَا، {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ} أَيْ: مَالَ إِلَى زِينَةِ الدُّنْيَا وَزَهْرَتِهَا، وَأَقْبَلَ عَلَى لَذَّاتِهَا وَنَعِيمِهَا، وَغَرَّتْهُ كَمَا غَرَّتْ غَيْرَهُ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْبَصَائِرِ [٥] وَالنُّهَى.
وَقَالَ أَبُو الزَّاهِرِيَّةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ} قَالَ: تَرَاءَى لَهُ الشَّيْطَانُ عَلَى غَلْوة مِنْ قَنْطَرَةِ بَانْيَاسَ، فَسَجَدَتِ الْحِمَارَةُ لِلَّهِ، وَسَجَدَ بَلْعَامُ لِلشَّيْطَانِ. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْر بْنِ نُفَير، وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: وَكَانَ مِنْ قِصَّةِ هَذَا الرَّجُلِ: مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ سُئل عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا [فَانْسَلَخَ مِنْهَا] } [٦] فَحَدَّثَ عَنْ سَيَّارٍ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ بَلْعَامُ، وَكَانَ قَدْ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ وَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، قَالَ: وَإِنَّ مُوسَى أَقْبَلَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُرِيدُ الْأَرْضَ الَّتِي فِيهَا بَلْعَامُ -أَوْ قَالَ: الشَّامَ -قَالَ فرُعب النَّاسُ مِنْهُ رُعْبًا شَدِيدًا، قَالَ: فَأَتَوْا بَلْعَامَ، فَقَالُوا: ادْعُ اللَّهَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ وَجَيْشِهِ! قَالَ: حَتَّى أوَامر رَبِّي -أَوْ: حَتَّى أُؤَامِرَ -قَالَ: فَوَامَرَ فِي الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ لَهُ: لَا تَدْعُ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ عِبَادِي، وَفِيهِمْ نَبِيُّهُمْ. قَالَ: فَقَالَ لِقَوْمِهِ: إِنِّي قَدْ آمَرْتُ رَبِّي فِي الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ، وَإِنِّي قَدْ نُهِيتُ. فَأَهْدَوْا لَهُ هَدِيَّةً فَقَبِلَهَا، ثُمَّ رَاجَعُوهُ فَقَالُوا: ادْعُ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ: حَتَّى أَوَامِرَ. فَوَامَرَ، فَلَمْ يَحُر إِلَيْهِ شَيْءٌ. فَقَالَ: قَدْ وَامَرْتَ فَلَمْ يَحُر إِلَيَّ شَيْءٌ! فَقَالُوا: لَوْ كَرِهَ رَبُّكَ أَنْ تَدْعُوَ عَلَيْهِمْ لَنَهَاكَ كَمَا نَهَاكَ الْمَرَّةَ الْأُولَى. قَالَ: فَأَخَذَ يَدْعُو عَلَيْهِمْ، فَإِذَا دَعَا عَلَيْهِمْ، جَرَى عَلَى لِسَانِهِ الدُّعَاءُ عَلَى قَوْمِهِ، وإذا أراد أن يدعو أن يفتح
[١] في أ: "الجائرين".
[٢] في أ: "اعتره".
[٣] ورواه البزار في مسنده برقم (١٧٥) من طريق: حدثنا محمد بن مرزوق والحسن بن أبي كبشة، حدثنا محمد بن بكر البرساني به. قال الهيثمي في المجمع (١/١٨٨) : "إسناده حسن".
[٤] في أ: "من".
[٥] في أ: "الأبصار".
[٦] زيادة من أ.