تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ٣٨٧
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْأَعْرَافِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{المص [١] كِتَابٌ أُنزلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [٢] اتَّبِعُوا مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ [٣] }
قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي أَوَّلِ "سُورَةِ الْبَقَرَةِ" عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُرُوفِ وَبَسْطُهُ، وَاخْتِلَافُ النَّاسِ فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ شَرِيك، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {المص} أَنَا اللَّهُ أَفْصِلُ وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَير.
[قَوْلُهُ] [١] {كِتَابٌ أُنزلَ إِلَيْكَ} أَيْ: هَذَا كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ، أَيْ: مِنْ رَبِّكَ، {فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ} قَالَ مُجَاهِدٌ، [وَعَطَاءٌ] [٢] وَقَتَادَةُ والسُّدِّي: شَكٌّ مِنْهُ.
وَقِيلَ: لَا تَتَحَرَّجْ بِهِ فِي إِبْلَاغِهِ وَالْإِنْذَارِ بِهِ [وَاصْبِرْ] [٣] كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {لِتُنْذِرَ بِهِ} أَيْ: أُنْزِلَ إِلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ الْكَافِرِينَ، {وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخَاطِبًا لِلْعَالَمِ: {اتَّبِعُوا مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} أَيِ: اقْتَفُوا آثَارَ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي جَاءَكُمْ بِكِتَابٍ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكِهِ، {وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} أَيْ: لَا تَخْرُجُوا عَمَّا جَاءَكُمْ بِهِ الرَّسُولُ إِلَى غَيْرِهِ، فَتَكُونُوا قَدْ عَدَلْتُمْ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ إِلَى حُكْمِ غَيْرِهِ.
{قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ} كَقَوْلِهِ: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يُوسُفَ: ١٠٣] . وَقَوْلِهِ: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الْأَنْعَامِ: ١١٦] وَقَوْلِهِ: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يُوسُفَ: ١٠٦] .
{وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ [٤] فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥) فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧) }
يَقُولُ تَعَالَى: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} أَيْ: بِمُخَالَفَةِ رُسُلِنَا وَتَكْذِيبِهِمْ، فَأَعْقَبَهُمْ ذَلِكَ خِزْيُ الدُّنْيَا مَوْصُولًا بذُلِّ الْآخِرَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الْأَنْعَامِ: ١٠] . وَقَالَ تَعَالَى: {فَكَأَيِّنْ [٤] مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} [الحج: ٤٥] .
[١] زيادة من د.
[٢] زيادة من م.
[٣] زيادة من ك، م، أ.
[٤] في أ: "وكأين".