تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ٢٦٢
عَزَّ وَجَلَّ، هَذِهِ الْآيَةَ: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ [لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ] } [١] إِلَى قَوْلِهِ: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} قَالَ: وَكَانُوا بِلَالًا وَعَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، وَسَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَصُبَيْحًا مَوْلَى أُسَيْدٍ، وَمِنَ الْحُلَفَاءِ: ابْنُ مَسْعُودٍ، وَالْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو، وَمَسْعُودُ بْنُ الْقَارِّيِّ، وَوَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَنْظَلِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ عَمْرٍو، وَذُو الشِّمَالَيْنِ، وَمَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ -وَأَبُو مَرْثَدٍ مِنْ غَنِيٍّ حَلِيفِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ -وَأَشْبَاهُهُمْ مِنَ الْحُلَفَاءِ. وَنَزَلَتْ فِي أَئِمَّةِ الْكُفْرِ مِنْ قُرَيْشٍ وَالْمَوَالِي وَالْحُلَفَاءِ: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} الْآيَةَ. فَلَمَّا نَزَلَتْ، أَقْبَلَ عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَاعْتَذَرَ مِنْ مَقَالَتِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا [فَقُلْ سَلامٌ] } [٢] الْآيَةَ [٣]
وَقَوْلُهُ: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ} أَيْ: فَأَكْرِمْهُمْ بِرَدِّ السَّلَامِ عَلَيْهِمْ، وبَشَّرهم بِرَحْمَةِ اللَّهِ الْوَاسِعَةِ الشَّامِلَةِ لَهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} أَيْ: أَوْجَبَهَا عَلَى نَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ، تَفَضُّلًا مِنْهُ وَإِحْسَانًا وَامْتِنَانًا {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ} قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: كُلُّ مَنْ عَصَى اللَّهَ، فَهُوَ جَاهِلٌ.
وَقَالَ مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ [٤] أَبَانَ، عَنْ عِكْرِمة فِي قَوْلِهِ: {مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ} قَالَ: الدُّنْيَا كُلُّهَا جَهَالَةٌ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
{ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ} أَيْ: رَجَعَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَعَاصِي، وَأَقْلَعَ وَعَزَمَ عَلَى أَلَّا يَعُودَ وَأَصْلَحَ الْعَمَلَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، {فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَر، عَنْ همَّام بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ، كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ [٥] غَضَبِي". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [٦] وَهَكَذَا رَوَاهُ الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [٧] وَرَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَكَذَا رَوَاهُ اللَّيْثُ وَغَيْرُهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [٨] بِذَلِكَ [٩]
وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدُوَيه، مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْخَلْقِ، أَخْرَجَ كِتَابًا مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، وَأَنَا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً أَوْ قَبْضَتَيْنِ فَيُخْرِجُ مِنَ النار خلقًا لم يعملوا خيرًا،
[١] زيادة من م، أ.
[٢] زيادة من، م، أ.
[٣] تفسير الطبري (١١/٣٧٩) .
[٤] في أ: "عن".
[٥] في أ: "سبقت"
[٦] المسند (٢/٣١٣) ورواه البخاري في صحيحه برقم (٣١٩٤) ومسلم في صحيحه برقم (٢٧٥١) من وجوه أخرى عن أبي هريرة.
[٧] رواه البخاري في صحيحه برقم (٧٤٠٤)
[٨] زيادة من م، أ.
[٩] رواه أحمد في مسنده (٢/٤٣٣) .