تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ٣٩٤
ذُرِّيَّةِ هَذَا الَّذِي أَبْعَدْتَنِي بِسَبَبِهِ -عَلَى {صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} أَيْ: طَرِيقَ الْحَقِّ وَسَبِيلَ النَّجَاةِ، وَلَأُضِلَّنَّهُمْ [١] عَنْهَا لِئَلَّا يَعْبُدُوكَ وَلَا يُوَحِّدُوكَ بِسَبَبِ إِضْلَالِكَ إِيَّايَ.
وَقَالَ بَعْضُ النُّحَاةِ: الْبَاءُ هَاهُنَا قَسَمِيَّةٌ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: فَبِإِغْوَائِكَ إِيَّايَ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: {صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} يَعْنِي: الْحَقَّ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ [٢] بْنُ سُوقَةَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: يَعْنِي طَرِيقَ مَكَّةَ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ [كُلِّهِ] [٣] .
قُلْتُ: لِمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيل-يَعْنِي الثَّقَفِيَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَقِيلٍ -حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ أَبِي الجَعْد عَنْ سَبْرَة بْنِ أَبِي فَاكِه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِطُرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: أَتُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ؟ ". قَالَ: "فَعَصَاهُ وَأَسْلَمَ". قَالَ: "وَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ [٤] الْهِجْرَةِ فَقَالَ: أَتُهَاجِرُ وَتَدَعُ [٥] أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ، وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ كَالْفَرَسِ فِي الطّوَل؟ فَعَصَاهُ وَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ [٦] الْجِهَادِ، وَهُوَ جِهَادُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَقَالَ: تُقَاتِلُ فَتُقْتَلُ، فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ وَيُقَسَّمُ الْمَالُ؟ ". قَالَ: "فَعَصَاهُ، فَجَاهَدَ". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ [٧] فَمَاتَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ قُتِلَ كَانَ [٨] حَقًّا عَلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ غَرِقَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ [٩] وَقَصته دَابَّةٌ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَدْخُلَهُ الْجَنَّةَ" [١٠] .
وَقَوْلُهُ: {ثمَُ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ [وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وِعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ] } [١١] قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} أُشَكِّكُهُمْ فِي آخِرَتِهِمْ، {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} أُرَغِّبُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ} أشبَه عَلَيْهِمْ أَمْرَ دِينِهِمْ {وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ} أُشَهِّي لَهُمُ الْمَعَاصِي.
وَقَالَ [عَلِيُّ] [١٢] بْنُ طَلْحَةَ -فِي رِوَايَةٍ -والعَوْفي، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَمَّا {مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} فَمِنْ قِبَلِ دُنْيَاهُمْ، وَأَمَّا {مِنْ خَلْفِهِمْ} فَأَمْرُ آخِرَتِهِمْ، وَأَمَّا {عَنْ أَيْمَانِهِمْ} فَمِنْ قِبَل حَسَنَاتِهِمْ، وَأَمَّا {عَنْ شَمَائِلِهِمْ} فَمِنْ قِبَلِ سَيِّئَاتِهِمْ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتَادَةَ: أَتَاهُمْ {مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ [١٣] لَا بعث ولا
[١] في أ: "أفلأضلنهم".
[٢] في أ: "مجاهد".
[٣] زيادة من ك.
[٤] في د: "في طريق".
[٥] في د، ك، م، أ: "وتذر".
[٦] في د: "في طريق".
[٧] في د: "منهم ذلك".
[٨] في ك: "وإن قتل كان"، وفي م: "وإن كان قتل".
[٩] في م: "وإن".
[١٠] المسند (٣/٤٨٣) .
[١١] زيادة من أ، وفي هـ: "الآية".
[١٢] زيادة من أ.
[١٣] في ك: "أن".