محاضرات في أصول الفقه - الفياض، الشيخ محمد إسحاق - الصفحة ٨٥ - حقيقة السببية وأقسامها
موجباً لحدوث المصلحة في المؤدى فبطبيعة الحال أوجب انقلاب الواقع.
وأمّا إذا لم يوجب حدوث مصلحة فيه كما هو المفروض في المقام ، فاستحال أن يكون موجباً لانقلاب الواقع. وأمّا إيجابه حدوث مصلحة في السلوك فهو غير مناف لمصلحة الواقع أصلاً ، وهذه المصلحة تختلف باختلاف السلوك كما أوضحناه في مبحث الظن [١].
وعلى ضوء هذا البيان يظهر نقطة الامتياز بين السببية بهذا المعنى والسببية بالمعنيين الأوّلين كما لا يخفى.
وبعد ذلك نقول : أمّا على ضوء السببية بالمعنى الأوّل ، فلا مناص من القول بالإجزاء ، حيث لا واقع على الفرض ما عدا مؤدى الأمارة لنبحث عن أنّ الاتيان به مجزٍ عنه أو لا ، فلو تبدل رأي المجتهد إلى رأي آخر على خلاف الأوّل كان من تبدل الموضوع لا من انكشاف الخلاف ، فالاتيان بما أدى إليه رأيه إتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي الأوّلي لا أنّه إتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري ليقع البحث عن إجزائه عن الأوّل ، إلاّ أنّ السببية بذلك المعنى غير معقولة في نفسها ، بداهة أنّ تصوّرها في نفسه كاف للتصديق ببطلانها بلا حاجة إلى إقامة برهان عليه من لزوم دور أو نحوه ، كيف حيث إنّ هذا المعنى من السببية خلاف الضرورة من الشرع ويكذّبه الكتاب والسنّة ، إذ لازمه بطلان بعث الرسل وإنزال الكتب.
على أنّه لو لم يكن حكم مجعول في الواقع قبل قيام الأمارة عليه ، فالأمارة تحكي عن أيّ شيء ، وأ نّها تؤدي إلى أيّ حكم ، وهل يعقل الكشف من دون مكشوف والحكاية من دون محكي ، فلو توقف ثبوته على قيام الأمارة عليه
[١] مصباح الاصول ١ : ١١٠.