محاضرات في أصول الفقه - الفياض، الشيخ محمد إسحاق - الصفحة ٤٤١ - ٥ ـ نظرية الإمامية الأمر بين الأمرين
ومنها قوله تعالى : ( وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ )[١] حيث قد عرفت أنّ العبد لا يكون فاعلاً لفعل إلاّ أن يشاء الله تعالى حياته وقدرته ونحوهما ممّا يتوقف عليه فعله خارجاً ، وبدون ذلك لا يعقل كونه فاعلاً له ، وعليه فمن الطبيعي أنّ فعله في الغد يتوقف على تعلّق مشيئة الله تعالى بحياته وقدرته فيه ، وإلاّ استحال صدوره منه ، فالآية تشير إلى هذا المعنى.
ويحتمل أن يكون المراد من الآية معنى آخر ، وهو أنّكم لا تقولون لشيء سنفعل كذا وكذا غداً إلاّ أن يشأ الله خلافه ، فتكون جملة ( إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ ) مقولة القول ، ويعبّر عن هذا المعنى في لغة الفرس « اگر خدا بگذارد » ومرجع هذا المعنى إلى استقلال العبد وتفويضه في فعله إذا لم يشأ الله خلافه ، ولذا منعت الآية المباركة عن ذلك بقوله ( وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ ) إلخ ، ولعل هذا المعنى أظهر من المعنى الأوّل كما لا يخفى.
ومنها قوله تعالى : ( قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلاَّ ما شاءَ اللهُ )[٢] حيث قد ظهر ممّا تقدّم أنّ الآية الكريمة لا تدل على الجبر ، بل تدل على واقع الأمر بين الأمرين ، بتقريب أنّ المشيئة الإلهية لو لم تتعلق بافاضة الحياة للانسان والقدرة له فلا يملك الانسان لنفسه نفعاً ولا ضراً ، ولا يقدر على شيء ، بداهة أنّه لا حياة له عندئذ ولا قدرة كي يكون مالكاً وقادراً ، فملكه النفع أو الضر لنفسه يتوقف على تعلّق مشيئته تعالى بحياته وقدرته آناً فآناً ، ويدور مداره حدوثاً وبقاءً ، وبدونه فلا ملك له أصلاً ولا سلطان.
ومنها قوله تعالى : ( يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ )[٣] حيث قد أسندت
[١] الكهف ١٨ : ٢٣ ـ ٢٤. [٢] يونس ١٠ : ٤٩. [٣] النحل ١٦ : ٩٣.