محاضرات في أصول الفقه - الفياض، الشيخ محمد إسحاق - الصفحة ٣٩٩ - نظرية الجبر في إطارها الفلسفي
كانت الارادة علّة تامّة للفعل لكان صدوره منه محالاً لعدم وجود علّته وهي الارادة ، ومن المعلوم استحالة تحقق المعلول بدون علّته.
فالنتيجة على ضوء ما ذكرناه أمران :
الأوّل : أنّ الارادة في أيّة مرتبة افترضت بحيث لا يتصور فوقها مرتبة اخرى لاتكون علّة تامّة للفعل ولاتوجب خروجه عن تحت سلطان الانسان واختياره.
الثاني : على فرض تسليم أنّ الارادة علّةً تامّة للفعل إلاّ أنّ من الواضح جداً أنّ العلّة غير منحصرة بها ، بل له علّة اخرى أيضاً وهي إعمال القدرة والسلطنة للنفس ، ضرورة أنّها لو كانت منحصرة بها لكان وجوده محالاً عند عدمها ، وقد عرفت أنّ الأمر ليس كذلك.
ومن هنا يظهر أنّ ما ذكره الفلاسفة [١] وجماعة من الاصوليين منهم شيخنا المحقق قدسسره [٢] من امتناع وجود الفعل عند عدم وجود الارادة خاطئ جداً.
ولعلّ السبب المبرّر لالتزامهم بذلك ـ أي بكون الارادة علّة تامّةً للفعل مع مخالفته للوجدان الصريح ومكابرته للعقل السليم ، واستلزامه التوالي الباطلة :
منها كون بعث الرسل وإنزال الكتب لغواً ـ هو التزامهم بصورة موضوعية بقاعدة أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد ، حيث إنّهم قد عمّموا هذه القاعدة في كافة الممكنات بشتّى أنواعها وأشكالها ، ولم يفرّقوا بين الأفعال الارادية والمعاليل الطبيعية من هذه الناحية ، وقالوا سرّ عموم هذه القاعدة حاجة الممكن وفقره الذاتي إلى العلّة. ومن الطبيعي أنّه لا فرق في ذلك بين ممكن وممكن آخر ، هذا
[١] لاحظ الأسفار ٦ : ٣٥١. [٢] نهاية الدراية ١ : ٢٨٥.