محاضرات في أصول الفقه - الفياض، الشيخ محمد إسحاق - الصفحة ٤٢٠ - نظرية الجبر في إطارها الفلسفي
استحالة صدور الآثار المتناقضة المختلفة والأفعال المتباينة من علّة واحدة بسيطة ، فانّ للعلّة الواحدة أفعالاً ونواميس معيّنة لا تختلف ولا تتخلف عن إطارها المعيّن ، كيف حيث إنّ في ذلك القضاء الحاسم على مبدأ السنخية والمناسبة بين العلّة والمعلول ، ومن الطبيعي أنّ القضاء على هذا المبدأ يستلزم انهيار جميع العلوم والاسس القائمة على ضوئه ، فلا يمكن عندئذ تفسير أيّة ظاهرة كونية ووضع قانون عام لها.
ودعوى الفرق بين الذات الأزلية والعلّة الطبيعية هو أنّ الذات الأزلية وإن كانت علّةً تامّةً للأشياء ، إلاّ أنّها عالمة بها ، دون العلّة الطبيعية فانّها فاقدة للشعور والعلم ، وإن كانت صحيحةً إلاّ أنّ علم العلّة بالمعلول إن كان مانعاً عن تأثيرها فيه على شكل الحتم والوجوب بقانون التناسب فهذا خلف ، حيث إنّ في ذلك القضاء الحاسم على علّية الذات الأزلية وأنّ تأثيرها في الأشياء ليس كتأثير العلّة التامّة في معلولها ، بل كتأثير الفاعل المختار في فعله.
وإن لم يكن مانعاً عنه كما هو الصحيح ، حيث إنّ العلم لا يؤثر في واقع العلّية وإطار تأثيرها ـ كما درسنا ذلك سابقاً [١] ـ فلا فرق بينهما عندئذ أصلاً ، فإذن ما هو منشأ هذه الاختلافات والتناقضات بين الأشياء ، وما هو المبرّر لها؟
وبطبيعة الحال لايمكن تفسيرها تفسيراً يطابق الواقع الموضوعي إلاّعلى ضوء ما درسناه سابقاً [٢] بشكل موسّع من أنّ صدور الأشياء من الله سبحانه بمشيئته وإعمال سلطنته وقدرته ، وقد وضعنا هناك الحجر الأساسي للفرق بين زاوية الأفعال الاختيارية ، وزاوية المعاليل الطبيعية ، وعلى أساس هذا الفرق تحلّ المشكلة.
[١] فى ص ٤١٨. [٢] فى ص ٣٨٢ ٣٨٤.