الفوائد المشوّق إلى علوم القرآن وعلم البيان - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ٥٩ - القسم ١٩ التجوز بالحروف
تعالى : ( أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ) معناه لست منقذ من في النار. وقوله تعالى : ( أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ ) معناه لست مسمع الأصمّ ، ولا هادي الأعمى ، ومثله في القرآن كثير .. وأما التجوز بها في الايجاب فهو في القرآن كثير. فمن ذلك قوله تعالى : ( أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ) معناه الوعد بكفاية العباد. وقوله : ( أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ ) وقوله تعالى : ( أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ) ..
ومنها قول جرير :
| ألستم خير من ركب المطايا |
| وأندى العالمين بطون راح |
وقول الآخر :
| ألست أرى النجم الذي هو طالع |
| عليها وهذا للمحبين نافع |
وأما التجوز بها في التقرير فهو في القرآن كثير. من ذلك قوله تعالى : ( أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ ) وقوله تعالى : ( أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ ) وقوله تعالى : ( آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ ) .. وأما التجوز بها في التوبيخ فهو في القرآن كثير.فمن ذلك قوله تعالى : ( أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ ) وقوله تعالى : ( أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) وقوله تعالى : ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ) وقوله تعالى : ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ).
الثالث : التجوز ـ بفي ـ وله حقيقة تتحقق في قسمين : أحدهما :احتواء جرم على جرم كقوله تعالى : ( أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ) وقوله تعالى : ( وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ ) الثاني : احتواء جرم على معنى كقوله تعالى : ( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) وقوله تعالى : ( وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ ) وكقوله : ( إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ ما هُمْ