الفوائد المشوّق إلى علوم القرآن وعلم البيان - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ٣١٣ - القسم ٧٥ الخطاب بالجملة الفعلية والخطاب بالجملة الاسمية
القسم الخامس والسبعون
الخطاب بالجملة الفعلية والخطاب بالجملة الاسمية
المؤكدة بأنّ المشددة وتفضيل إحداهما على الأخرى
وذلك كقولنا قام زيد وان زيدا قائم ، فقولنا قام زيد معناه الإخبار عن زيد بالقيام ، وقولنا إن زيدا قائم إخبار عن زيد بالقيام أيضا إلاّ أن في الثانية زيادة ليست في الأولى ، وهي توكيده بأن المشددة التي من شأنها الإثبات لما يأتي بعدها من الكلام .. ومن هذا النحو قوله تعالى : ( وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ) فإنهم انما خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية وشياطينهم بالجملة الاسمية المحققة بأن المشددة فقالوا في خطاب المؤمنين ـ آمنا ـ ولاخوانهم ـ إنا معكم ـ لأنهم في مخاطبة إخوانهم بما أجروا به عن أنفسهم من اثبات على اعتقاد الكفر ، والبعد من أن ينزلوا عنه على صدق ورغبة ووفور نشاط ، وكان ذلك متقبلا منهم ورائجا عند اخوانهم وما قالوه للمؤمنين ، فإنما قالوه تكلفا واظهارا لايمان خزيا ومداجاة ، وكانوا يعلمون أنهم لو قالوا بأوكد لفظ وأشده لما راج لهم عندهم إلاّ رواجا ظاهرا لا باطنا ، ولأنهم ليس لهم من عقائدهم باعث قويّ على النطق في خطاب المؤمنين بمثل ما خاطبوا به اخوانهم من العبارة المؤكدة ، فلذلك قالوا في خطاب المؤمنين بخلاف ما قالوه في خطاب اخوانهم ، وصرّحوا في كلامهم لإخوانهم أن ما خاطبوا به