الفوائد المشوّق إلى علوم القرآن وعلم البيان - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ٢٧٦ - القسم ٥٦ الضمائر وما يتعلق بها
القسم السادس والخمسون
في الضمائر وما يتعلق بها
اعلم وفقنا الله واياك ان الضمير لا يخلو إما أن يكون معلوما أو لا يكون كذلك. فالأول تأكيده بضمير آخر ، وعدم تأكيده بذلك سواء في البلاغة كما في قوله تعالى : ( بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) مع قوله تعالى : ( تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ) وذلك لأن قدرة الله تعالى ، وعلمه معلومان فاستوى حذف الضمير المؤكد وثباته معهما.
والثاني الأولى فيه ، والأفصح تأكيد الضمير بضمير آخر ، وذلك إذا أريد تقوية المتعلق به ، وحينئذ إما أن يكون الضميران متصلين أو منفصلين أو أحدهما متصل والآخر منفصل. أما المتصلان فكقوله تعالى : ( قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ) وإنما أكد هنا دون قصة السفينة لارادته في قصة الغلام زيادة النكر .. وأما المنفصلان فكقول المتنبي :
| فإنّك أنت أنت وأنت منهم |
| وجدّك بشر الملك الهمام |
والغرض المبالغة في زيادة المدح .. وأما إذا كان أحد الضميرين منفصلا والآخر متصلا فكقوله تعالى : ( قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى ) وهاهنا دقائق. أحدهما الإتيان بلفظة ـ إنّ ـ المشددة لتفيد تأكيد ثبوت ما بعدها. وثانيها تكرير الضمير يدل على تأكيد ما يتعلق به. وثالثها ذكر ـ الأعلى ـ معرّفا