مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٠ - بساطة الذات وكثرة الأسماء
الثاني : القول بالنيابة وحاصله أنّه ليس هناك علم ولا قدرة ولا حياة ولكن يترتب على الذات ما يترتب على وجود هذه الصفات ، فالذات لأجل كمالها تقوم مقامها وهذا القول منقول عن بعض المعتزلة [١]. وهو أيضاً مخالف للبرهان وظاهر الكتاب والسنّة.
إنّ هناك طائفة جليلة وفي مقدّمتهم الراسخون في الحكمة الإلهية جمعوا بين بساطة الذات واتّصافه بحقائق هذه الأوصاف بمعنى : إنّ وجوداً واحدا كلّه علم ، وكلّه قدرة ، وكلّه حياة ، لا أنّ بعضه علم ، وبعضه الآخر قدرة ، وبعضها الثالث حياة ولا يقف عليه إلاّ من له قدم راسخ في الأبحاث الفلسفية ولأجل ذلك نرى أنّ الفخر الرازي يردّ هذه النظرية بسهولة ، فيقول « وهذا أيضاً ضعيف لأنّ المفهوم من كونه « قادراً » غير المفهوم من كونه « عالماً » وحقيقة الذات الواحدة ، حقيقة واحدة والحقيقة الواحدة لا تكون عين الحقيقتين ، لأنّ الواحد لا يكون نفس الاثنين » [٢].
ثمّ اختار أنّ صفاته سبحانه زائدة على الذات ولم يبال بوجود الكثرة في ساحة الذات وتعدد القدماء ، والحقّ إنّ المسألة تعدّ من الأسرار الإلهية التي يستصعب ادراكها إلاّ على من آتاه الله من لدنه علماً وحكمة كما أشار إليه صدرالمتألّهين [٣].
فنقول : إنّ ما ذكره الرازي مردود بوجهين :
أوّلاً : فبالنقض بأنّ موجوداً امكانياً كزيد كلّه معلوم لله سبحانه ، وكلّه مقدور له وحيثيّة المعلومية في الخارج ، نفس حيثية المقدورية وليست حيثية المعلومية في الخارج مغايراً لحيثية المقدورية ، وإلاّ يلزم أن تكون الحيثيّة الثانية غير معلومة لله سبحانه ، وهو خلف ، لفرض كونه عالماً بكلّ شيء ولأجل ذلك نقول : ثبت في
[١] هو رأي « عبّاد بن سليمان المعتزلي » والجبائيين خلافاً لأبي الهذيل العلاّف عنهم ، لاحظ « بحوث في الملل والنحل ج ٢ ص ٨٠ ـ ٨١ ».
[٢] لوامع البينات للرازي ص ٢٤.
[٣] الأسفار الأربعة : ج ٦ ص ١٠.