الصوت اللغوي في القرآن - الصّغير، محمد حسين علي - الصفحة ١٤٧ - ١ ـ مصطلح الفاصلة في القرآن
والسائل في الثانية ، وحقه التأخير في صناعة الاعراب ، وقد جاء ذلك مراعاة لنسق الفاصلة من جهة ، وإلى الاختصاص من جهة أخرى ، للعناية في الأمر.
ولعل ابن الأثير ( ت : ٦٣٧ هـ ) كان مصيباً جداً حينما أرجع ذلك إلى الاختصاص ونظم الكلام ، ولم يقل بأحدهما [١]. بينما عاد بها إبراهيم أنيس إلى مراعاة موسيقى الفاصلة القرآنية إذ لا يصح للمفعول أن يسبق ركني الاسناد في الجملة المثبتة كما يزعم أصحاب البلاغة [٢].
وقد رده الدكتور أحمد مطلوب في هذا الملحظ ، لأن الهدف ليس القهر والنهر في المقام الأول ، وأنما الرجحة باليتيم والسائل ، ولذلك تقدم المفعولان على فعليهما ، ولو كان القصد غير ذلك لتأخرا وجاءا على نسق الكلام المحفوظة رتبته [٣].
ومهما يكن من أمر ، فأن السجع عند العرب مهمة لفظية تأتي لتناسق أواخر الكلمات في الفقرات وتلاؤمها ، فيكون الإتيان به أنى اتفق لسد الفراغ اللفظي ، وأما مهمة الفاصلة القرآنية فليس كذلك ، بل هي مهمة لفظية معنوية بوقت واحد ، إنها مهمة فنية خالصة ، فلا تفريط في الألفاظ على سبيل المعاني ، ولا اشتطاط بالمعاني من أجل الألفاظ ، بينما يكون السجع في البيان التقليدي مهمة تنحصر بالألفاظ غالباً ، لذلك ارتفع مستوى الفاصلة في القرآن بلاغياً ودلالياً عن مستوى السجع فنياً ، وإن وافقه صوتياً.
وهنا نشير إلى أن ابن سنان الخفاجي ( ت : ٤٦٦ هـ ) قد رد جزءاً من هذه المفاضلة بين السجع والفاصلة ، وخلص إلى سبب التسمية في معرض نقاشه لعلي بن عيسى الرماني ؛ « وأما قول الرماني إن السجع عيب ، والفواصل على الإطلاق بلاغة فغلط ، فإنه إن أراد بالسجع ما تتبع المعنى ، وكأنه غير مقصود فذلك بلاغة ، والفواصل مثله ، وإن كان يريد بالسجع ما
[١] ظ : ابن الأثير ، المثل السائر : ٢|٣٩.
[٢] ظ : إبراهيم أنيس ، من أسرار العربية: ٣١٢.
[٣] ظ : أحمد مطلوب ، بحوث لغوية : ٥٨.