الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٣١ - كلام أبي أيوب الأنصاري
قال له علي : ويلك وما فعل عثمان ، رأيتني عائذا بالله من شر ما تقول ، والله إن الذي فعل عثمان لمخزاة على من لا دين له ، ولا حجة معه ، فكيف وأنا على بينة من ربي ، والحق معي ، والله إن امرأ أمكن عدوه من نفسه ، فنهش عظمه ، وسفك دمه ، لعظيم عجزه ، ضعيف قلبه . أنت يا بن قيس فكن ذلك ، فأما أنا فوالله دون أن أعطى ذلك ضرب بالمشرفي [١] ، يطير له فراش [٢] الرأس ، وتطيح منه الأكف والمعاصم ، وتجد به الغلاصم [٣] ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء . والله يا أهل العراق ، ما أظن هؤلاء القوم من أهل الشام إلا ظاهرين عليكم ، فقالوا : أبعلم تقول ذلك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : نعم ، والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، إني أرى أمورهم قد علت ، وأرى أموركم قد خبت [٤] ، وأراهم جادين في باطلهم ، وأراكم وانين في حقكم ، وأراهم مجتمعين ، وأراكم متفرقين ، وأراهم لصاحبهم معاوية مطيعين ، وأراكم لي عاصين . أما والله لئن ظهروا عليكم بعدي لتجدنهم أرباب سوء ، كأنهم والله عن قريب قد شاركوكم في بلادكم ، وحملوا إلى بلادهم منكم ، وكأني أنظر إليكم تكشون كشيش [٥] الضباب ، لا تأخذون لله حقا ، ولا تمنعون له حرمة ، وكأني أنظر إليهم يقتلون صلحاءكم ، ويخيفون علماءكم ، وكأني أنظر إليكم يحرمونكم ويحجبونكم ، ويدينون الناس دونكم ، فلو قد رأيتم الحرمان ، ولقيتم الذل والهوان ، ووقع السيف ونزل الخوف ، لندمتم وتحسرتم على تفريطكم في جهاد عدوكم ، وتذكرتم ما أنتم فيه من الخفض والعافية ، حين لا ينفعكم التذكار .
فقال الناس : قد علمنا يا أمير المؤمنين أن قولك كله وجميع لفظك يكون حقا ، أترى معاوية يكون علينا أميرا ؟ فقال : لا تكرهون إمرة معاوية ، فإن إمرته سلم وعافية ، فلو قد مات رأيتم الرؤوس تندر عن كهولها كأنها الحنظل [٦] ، وعدا كان مفعولا ، فأما إمرة معاوية فلست أخاف عليكم شرها ، ما بعدها أدهى وأمر .
كلام أبي أيوب الأنصاري ثم قام أبو أيوب الأنصاري ، فقال : إن أمير المؤمنين أكرمه الله قد أسمع من كانت له أذن واعية ، وقلب حفيظ ، إن الله قد أكرمكم به كرامة ما قبلتموها حق قبولها ، حيث نزل
[١] المشرفي : السيف المنسوب إلى مشارف الشام وهي بلد جيدة السيوف .
[٢] فراش الرأس أعلى الرأس .
[٣] الغلاصم : جمع غلصمة وهي عقدة الزور ، أي تقطع منه الرقاب ، وتجد أي تقطع .
[٤] خبت : خفتت ونامت .
[٥] تكشون كشيس الضباب : تتفرقون وتزاحون عن أماكنكم كما ينقشع الضباب عن مكانه في السماء .
[٦] أي لرأيتم الرؤوس تطير عن أجسامها فتصير كالحنظل وهو نبات مر يشبه الرمان في شكله المستدير .