الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٠٦ - ما قال عدي بن حاتم - ما قال عبد الله بن جعل
نقاتل بها ، وقد حمل الشك اليقين الذي كنا نئول إليه ، وذهب الحياء الذي كنا نمارى به ، فاستظلوا في هذا الفئ ، واسكنوا في هذه العافية ، فإن قلتم : نقاتل على ما كنا نقاتل عليه أمس ، هيهات هيهات ، ذهب والله قياس أمس ، وجاء غد . فأعجب عليا قوله ، وافتخرت به الأنصار ، ولم يقل أحد بأحسن من مقاتله .
ما قال عدي بن حاتم ثم قام عدي بن حاتم ، فقال : أيها الناس ، إنه والله لو غير علي دعانا إلى قتال أهل الصلاة ما أجبناه ، ولا وقع بأمر قط إلا ومعه من الله برهان ، وفي يديه من الله سبب ، وإنه وقف عن عثمان بشبهة ، وقاتل أهل الجمل على النكث ، وأهل الشام على البغي ، فانظروا في أموركم وأمره ، فإن كان له عليكم فضل ، فليس لكم مثله ، فسلموا له ، وإلا فنازعوا عليه ، والله لئن كان إلى العلم بالكتاب والسنة إنه لأعلم الناس بهما ، ولئن كان إلى الإسلام إنه لأخو نبي الله ، والرأس في الإسلام ، ولئن كان إلى الزهد والعبادة ، إنه لأظهر الناس زهدا ، وأنهكهم [١] عبادة ، ولئن كان إلى العقول والنحائز [٢] ، إنه لأشد الناس عقلا ، وأكرمهم نحيزة ، ولئن كان إلى الشرف والنجدة إنه لأعظم الناس شرفا ونجدة ، ولئن كان إلى الرضا ، لقد رضي به المهاجرون والأنصار في شورى عمر رضي الله عنهم ، وبايعوه بعد عثمان ، ونصروه على أصحاب الجمل وأهل الشام ، فما الفضل الذي قربكم إلى الهدى ، وما النقص الذي قربه إلى الضلال ، والله لو اجتمعتم جميعا على أمر واحد لأتاح الله له من يقاتل لأمر ماض ، وكتاب سابق .
فاعترف أهل صفين لعدي بن حاتم بعد هذا المقام ، ورجع كل من تشعب على علي رضي الله .
ما قال عبد الله بن حجل ثم قام عبد الله بن حجل فقال : يا أمير المؤمنين ، إنك أمرتنا يوم الجمل بأمور مختلفة ، كانت عندنا أمرا واحدا ، فقبلناها بالتسليم ، وهذه مثل تلك الأمور ، ونحن أولئك أصحابك ، وقد أكثر الناس في هذه القضية ، وأيم الله ما المكثر المنكر بأعلم بها من المقل المعترف ، وقد أخذت الحرب بأنفاسنا ، فلم يبق إلا رجاء ضعيف ، فإن تجب القوم إلى ما دعوك إليه ،
[١] أنهكهم عبادة : أكثرهم عبادة حتى إن عبادته لتشق فتنهك القوى .
[٢] النحائز : جمع نحيزة وهي الطبيعة .