الشفاء المنطق (القياس) - ابن سينا - الصفحة ٦
و ما ينقسم إليه الشىء بالذات أو بالعرض[١]. و لم يستوقفه ما عنى به المحدثون من بيان مدى تأثير القسمة الأفلاطونية فى نشأة القياس الأرسطي، بل لم يعرض لأفلاطون هنا، و لم يجر اسمه على لسانه. و قد لاحظنا غير مرة أن معلوماته التاريخية محدودة و خاطئة أحيانا، فيقول مثلا إن أرشميدس يبرهن على التعاليم و لم يكن المنطق فى زمانه محصلا[٢]، مع أنه جاء بعد أرسطو بنحو مائة سنة.
و بالحد الأوسط يتم الإنتاج، فهو الذي يعين على الانتقال من الكلى إلى الجزئى و من العام إلى الخاص. و له- كسائر الكليات- مفهوم و ما صدق، و ينظر إليه تارة من ناحية مفهومه، و أخرى من ناحية ما صدقه. و يعنى أنصار المنطق الصورى بالتعويل خاصة على الماصدق، لكى يبرزوا فكرة الأصناف و تداخل الجزئى فى الكلى. و بذا تصبح البرهنة آلية، و يمكن التعبير عنها بدوائر هندسية على نحو ما صنع أيلر، أو الرمز لها بألفاظ أو جمل منثورة أو منظومة تحفظ عن ظهر قلب. و يرى فريق آخر أن الحمل إنما يقوم على أساس الكيف لا الكم، و أن تفكيرنا ينصب على صفات و معان، لا على أصناف و أنواع، فأساس القياس المفهوم. تلك هى الخصومة المشهورة بين أنصار الماصدق و أنصار المفهوم، التي طال فيها الأخذ و الرد فى التاريخ الحديث[٣].
لم تستوقف هذه الخصومة ابن سينا، لأنه فيما يظهر ينظر مثل أرسطو إلى الحد الأوسط من ناحية المفهوم و الماصدق معا. فيرى كما أشرنا من قبل أنه أمر مشترك بين المقدمتين، و معنى يربط حكمين أحدهما بالآخر. و أساس الحمل عنده
[١] ابن سينا، كتاب القياس، ص ٤٥٨.
[٢] المصدر السابق، ص ١٥.
[٣]
Madkour, l' Organon d' aristote dans le monde arabe, paris ١٩٣٤, p. ١٩٨- ٢٠٢.