البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٩ - فصل «في وفاة الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بن آقسنقر التركي السلجوقي في هذه السنة و ذكر شيء من سيرته العادلة الكاملة»
فكان يقتات منها، و زاد امرأته من كراها على نفقتها عليها، و استفتى العلماء في مقدار ما يحل له من بيت المال فكان يتناوله و لا يزيد عليه شيئا، و لو مات جوعا، و كان يكثر اللعب بالكرة فعاتبه رجل من كبار الصالحين في ذلك فقال: إنما الأعمال بالنيات، و إنما أريد بذلك تمرين الخيل على الكر و الفر، و تعليمها ذلك، و نحن لا نترك الجهاد، و كان لا يلبس الحرير، و كان يأكل من كسب يده بسيفه و رمحه، و ركب يوما مع بعض أصحابه و الشمس في ظهورهما و الظل بين أيديهما بين أيديهما لا يدركانه ثم رجعا فصار الظل وراءهما ثم ساق نور الدين فرسه سوقا عنيفا و ظله يتبعه، فقال لصاحبه: أ تدري ما شبهت هذا الّذي نحن فيه؟ شبهته بالدنيا تهرب ممن يطلبها، و تطلب من يهرب منها، و قد أنشد بعضهم في هذا المعنى:
مثل الرزق الّذي تطلبه* * * مثل الظل يمشى معك
أنت لا تدركه مستعجلا* * * فإذا وليت عنه تبعك
و كان فقيها على مذهب أبى حنيفة، و سمع الحديث و أسمعه، و كان كثير الصلاة بالليل من وقت السحر إلى أن يركب:
جمع الشجاعة و الخشوع لديه* * * ما أحسن الشجعان في المحراب
و كذلك كانت زوجته عصمت الدين خاتون بنت الاتابك معين الدين تكثر القيام في الليل فنامت ذات ليلة عن وردها فأصبحت و هي غضبى، فسألها نور الدين عن أمرها فذكرت نومها الّذي فوت عليها وردها، فأمر نور الدين عند ذلك بضرب طبلخانة في القلعة وقت السحر لتوقظ النائم ذلك الوقت لقيام الليل، و أعطى الضارب على الطبلخانة أجرا جزيلا، و جراية كثيرة
فألبس اللَّه هاتيك العظام و إن* * * بلين تحت الثرى عفوا و غفرانا
سقى ثرى أودعوه رحمة ملأت* * * مثوى قبورهم روحا و ريحانا
و ذكر ابن الأثير أن الملك نور الدين بينما هو ذات يوم يلعب بالكرة إذ رأى رجلا يحدث آخر و يومئ إلى نور الدين، فبعث الحاجب ليسأله ما شأنه، فإذا هو رجل معه رسول من جهة الحاكم، و هو يزعم أن له على نور الدين حقا يريد أن يحاكمه عند القاضي، فلما رجع الحاجب إلى نور الدين و أعلمه بذلك ألقى الجوكان من يده، و أقبل مع خصمه ماشيا إلى القاضي الشهرزوريّ، و أرسل نور الدين إلى القاضي أن لا تعاملني إلا معاملة الخصوم، فحين وصلا وقف نور الدين مع خصمه بين يدي القاضي، حتى انفصلت الخصومة و الحكومة، و لم يثبت للرجل على نور الدين حق، بل ثبت الحق للسلطان على الرجل، فلما تبين ذلك قال السلطان إنما جئت معه لئلا يتخلف أحد عن الحضور إلى الشرع إذا دعي إليه، فإنما نحن معاشر الحكام أعلانا و أدنانا شجنكية لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و لشرعه