البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٦ - ثم دخلت سنة ثنتين و تسعين و أربعمائة
في مقابر الشهداء (رحمه اللَّه)
المظفر أبو الفتح ابن رئيس الرؤساء أبى القاسم
ابن المسلمة كانت داره مجمعا لأهل العلم و الدين و الأدب، و بها توفى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، و دفن عند الشيخ أبى إسحاق في تربته.
ثم دخلت سنة ثنتين و تسعين و أربعمائة
- و فيها أخذت الفرنج بيت المقدس لما كان ضحى يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان سنة ثنتين و تسعين و أربعمائة، أخذت الفرنج لعنهم اللَّه بيت المقدس شرفه اللَّه، و كانوا في نحو ألف ألف مقاتل، و قتلوا في وسطه أزيد من ستين ألف قتيل من المسلمين، و جاسوا خلال الديار، و تبروا ما علوا تتبيرا. قال ابن الجوزي: و أخذوا من حول الصخرة اثنين و أربعين قنديلا من فضة، زنة كل واحد منها ثلاثة آلاف و ستمائة درهم، و أخذوا تنورا من فضة زنته أربعون رطلا بالشامي، و ثلاثة و عشرين قنديلا من ذهب، و ذهب الناس على وجوههم هاربين من الشام إلى العراق، مستغيثين على الفرنج إلى الخليفة و السلطان، منهم القاضي أبو سعد الهروي، فلما سمع الناس ببغداد هذا الأمر الفظيع هالهم ذلك و تباكوا، و قد نظم أبو سعد الهروي كاملا قرئ في الديوان و على المنابر، فارتفع بكاء الناس، و ندب الخليفة الفقهاء إلى الخروج إلى البلاد ليحرضوا الملوك على الجهاد، فخرج ابن عقيل و غير واحد من أعيان الفقهاء فساروا في الناس فلم يفد ذلك شيئا، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، فقال في ذلك أبو المظفر الأبيوردي شعرا:
مزجنا دمانا بالدموع السواجم* * * فلم يبق منا عرضة للمراجم
و شر سلاح المرء دمع يريقه* * * إذا الحرب شبت نارها بالصوارم
فأيها بنى الإسلام إن وراءكم* * * وقائع يلحقن الذرى بالمناسم
و كيف تنام العين ملء جفونها* * * على هفوات أيقظت كل نائم
و إخوانكم بالشام يضحى مقيلهم* * * ظهور المذاكي أو بطون القشاعم
تسومهم الروم الهوان و أنتم* * * تجرون ذيل الخفض فعل المسالم
و منها قوله:
و بين اختلاس الطعن و الضرب وقفة* * * تظل لها الولدان شيب القوادم
و تلك حروب من يغب عن غمارها* * * ليسلم يقرع بعدها سن نادم
سللن بأيدي المشركين قواضبا* * * ستغمد منهم في الكلى و الجماجم
يكاد لهن المستجير بطيبة* * * ينادى بأعلى الصوت يا آل هاشم
أرى أمتى لا يشرعون إلى العدا* * * رماحهم و الدين واهي الدعائم
و يجتنبون النار خوفا من الردى* * * و لا يحسبون العار ضربة لازم