البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٨ - سعد اللَّه بن نصر بن سعيد الدجاجيّ
فلازم القصر مدة طويلة خوفا على نفسه، ثم عنّ له في بعض الأيام أن خرج إلى الصيد، فأرسل صلاح الدين إليه من قبض عليه و قتله و حمل رأسه إليه، ثم عزل جميع الخدام الذين يلون خدمة القصر، و استناب على القصر عوضهم بهاء الدين قراقوش، و أمره أن يطالعه بجميع الأمور، صغارها و كبارها
وقعة السودان
و ذلك أنه لما قتل الطواشى مؤتمن الخلافة الحبشي، و عزل بقية الخدام غضبوا لذلك، و اجتمعوا قريبا من خمسين ألفا، فاقتتلوا هم و جيش صلاح الدين بين القصرين، فقتل خلق كثير من الفريقين، و كان العاضد ينظر من القصر إلى المعركة، و قد قذف الجيش الشامي من القصر بحجارة، و جاءهم منه سهام فقيل كان ذلك بأمر العاضد، و قيل لم يكن بأمره. ثم إن أخا الناصر نور شاه شمس الدولة- و كان حاضرا للحرب قد بعثه نور الدين لأخيه ليشد أزره- أمر بإحراق منظرة العاضد، ففتح الباب و نودي إن أمير المؤمنين يأمركم أن تخرجوا هؤلاء السودان من بين أظهركم، و من بلادكم، فقوى الشاميون و ضعف جأش السودان جدا، و أرسل السلطان إلى محلة السودان المعروفة بالمنصورة، التي فيها دورهم و أهلوهم بباب زويلة فأحرقها، فولوا عند ذلك مدبرين، و ركبهم السيف فقتل منهم خلقا كثيرا، ثم طلبوا الأمان فأجابهم إلى ذلك، و أخرجهم إلى الجيزة، ثم خرج لهم شمس الدولة نور شاه أخو الملك صلاح الدين فقتل أكثرهم أيضا، و لم يبق منهم إلا القليل، فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا.
و فيها افتتح نور الدين قلعة جعبر و انتزعها من يد صاحبها شهاب الدين مالك بن على العقيلي و كانت في أيديهم من أيام السلطان ملك شاه. و فيها احترق جامع حلب فجدده نور الدين. و فيها مات ما روق الّذي تنسب إليه المحلة بظاهر حلب.
و ممن توفى فيها من الأعيان.
سعد اللَّه بن نصر بن سعيد الدجاجيّ
أبو الحسن الواعظ الحنبلي، ولد سنة ثمانين و أربعمائة، و سمع الحديث و تفقه و وعظ، و كان لطيف الوعظ، و قد أثنى عليه ابن الجوزي في ذلك، و ذكر أنه سئل مرة عن أحاديث الصفات فنهى عن التعرض لذلك و أنشد:
أبى الغائب الغضبان يا نفس أن ترضى* * * و أنت الّذي صيرت طاعته فرضا
فلا تهجرى من لا تطيقين هجره* * * و إن هم بالهجران خديك و الأرضا
و ذكر ابن الجوزي عنه أنه قال: خفت مرة من الخليفة فهتف بى هاتف في المنام و قال لي اكتب
ادفع بصبرك حادث الأيام* * * و ترج لطف الواحد العلام
لا تيأسن و إن تضايق كربها* * * و رماك ريب صروفها بسهام