فوائد الرضوية - الهمداني، آقا رضا - الصفحة ١٠
الإطاعة ففي غاية الوضوح أقول و ليعلم أوّلا أنّ وجوب إطاعة الشارع عقلي و لا يعقل أن يكون شرعيّا للزوم التّسلسل فالعقل مستقلّ بوجوب الائتمار بما أمره الشارع و الانتهاء عما نهى عنه بأن يكون أمره باعثا على الفعل و نهيه داعيا إلى الترك فيجب على العبد عقلا أن يأتي بما أمر به الشارع بداعي أمره و يترك ما نهاه عنه امتثالا لنهيه من غير فرق في ذلك بين أن يكون ما تعلّق به الأمر أو النهي توصّليا أو تعبّديا إلا أنّه لما لم يتعلق الغرض من الأمر التوصّلي إلا بصرف حصول المتعلق و من النهي التوصّلي إلا عدم اختيار الفعل عند الابتلاء فمت ى حصل الفعل المأمور به في الخارج بأيّ نحو كان سواء كان بفعل غير المكلّف أو بفعل المكلّف بلا داع و شعور أو بداع آخر وراء امتثال التكليف فقد حصل الغرض و سقط الأمر فانتفي موضوع وجوب الامتثال كما لو أنّه ما لم يتحقّق دواعي ارتكاب المحرّم و لم يتيهأ أسبابه لا يتنجّز في حقّه النّهي كي يجب عليه امتثاله فهذا هو الفارق بين التوصّلي و التعبّدي لا أنّه لا يجب الإطاعة في التّوصليّات كما قد يتوهّم و قد ظهر ممّا ذكر أنّ الإطاعة الّتي استقلّ العقل بوجوبها عبارة عن إتيان المأمور به بداعي الأمر و إن شئت قلت إنّها عبارة عن الإتيان بما تعلّقت به إرادة الشّارع على حسب ما تعلقت به إرادته لما سنشير إليه من أنّ العبرة بالخروج عمّا تعلّق به الغرض من الأمر لا بنفس الأمر من حيث هو و كيف كان فحيث لم يتعلّق غرض الشّارع في الواجبات التوصّليّة الّتي لا تتوقّف صحّتها على القصد إلاّ بإيجاد ذات المأمور به من حيث هو فلا مجال للارتياب في حصول إطاعة أوامرها بإيجاد متعلّقاتها في ضمن محتملاتها بقصد الامتثال من غير أن يتوقّف ذلك على معرفتها بالتّفصيل بعد أن لم يتعلّق غرض الأمر بذلك كما هو المفروض قوله و أمّا فيما يحتاج إلى قصد الإطاعة إلخ أقول قد عرفت فيما تقدّم أنّ الإطاعة الّتي يستقلّ بوجوبها العقل ليست إلاّ عبارة عن باعثية الأمر على الفعل المأمور به بأن يؤتى به بداعي الأمر فعلى هذا لا مجال للارتياب في حصول الإطاعة و سقوط الأمر في هذا القسم أيضا إن لم يتعلّق غرض الآمر إلاّ بصرف حصول المتعلّق بعنوان الإطاعة من حيث هي من غير اعتبار قيد زائد فيها بأن كان مقصوده الإطاعة بكيفية خاصّة بأن كان مثلا عارفا بوجهه جازما حال الفعل بكونه بعينه هو المأمور به أو نحو ذلك و إلاّ فلا يتحقّق إطاعته إلاّ إذا أتى به على نحو تعلّق به غرض الآمر فلا يكفي حينئذ مجرّد إيجاد المأمور به بداعي الأمر في تحقّق الإطاعة كما هو واضح فالجزم بحصول الإطاعة الموجبة لسقوط التّكليف في هذا القسم من الواجب الّذي تسميه بالواجب التعبّدي موقوف على إحراز أن الشّارع لم يعتبر كيفيّة خاصّة في الإطاعة الّتي اعتبرها شرطا في صحّة المأمور به عدا ما كان يصدق عليه اسم الإطاعة على تقدير كونه توصّليا أي صرف عنوان الإطاعة من حيث هي و لذا لم يدّع المصنف قدّس سرّه البداهة في هذا القسم كما ادّعى في القسم الأوّل بل عبّر بقوله فالظّاهر أيضا تحقق الإطاعة إلخ و كيف كان فالأظهر حصول إطاعة الأوامر التعبّدية أيضا بصرف حصول متعلّقاتها بداعي الأمر مطلقا بل يكفي في صحّة العبادات و سقوط التّكليف بها مجرّد حصولها للّه تعالى لا لسائر الأغراض النّفسانيّة و إن لم يكن بداعي أمره كي يصدق عليها اسم الإطاعة بل لسائر الغايات الموجبة للقرب إليه تعالى كتحصيل مرضاته و الإتيان بمحبوبه و نحو ذلك إذ لا دليل على اعتبار أمر زائد على ذلك في ماهيّة العبادات و مقتضى الأصل عدمه و براءة الذّمة عنه و شرح ذلك يتوقف على بسط المقال في تحقيق ما يقتضيه الأصل عند دوران الواجب بين كونه تعبّديّا أو توصّليّا ثمّ التكلّم في أنّه بعد أن ثبت كونه تعبّديا بواسطة أصل أو دليل فلو شكّ في اعتبار شيء زائد عن عنوان الإطاعة الّتي استقلّ بوجوبها العقل كالجزم في النية أو معرفة الوجه فهل يجب الاحتياط أو يرجع إلى البراءة فأقول مستعينا باللّه أمّا الكلام في المقام الأوّل فهو أنّهم اختلفوا في أنّ الأصل في الواجب كونه تعبّديّا أو توصّليّا على قولين أقواهما الأخير احتجّ للقول الأوّل بأمور الأوّل أنّ المتبادر من أمر المولى عبده بشيء إيجاب إيجاده لأجل أنّه أمره فحصول الإجزاء بمجرد تحقّقه في الخارج لا بداعي الأمر خلاف ظاهر الأمر و فيه أنّ دعوى استفادته من مدلول الخطاب فاسدة جدّا إذ المادّة في الطّلبات موضوعة لمعانيها الواقعيّة و الطّلب إنّما تعلّق بإيجادها بعناوينها المخصوصة بها الواقعة في حيّز الطّلب أمّا كونه بعنوان الإطاعة و الامتثال فهو تقييد آخر في الواجب لا يستفاد من المادّة و لا من الهيئة فكيف يصحّ استناده إلى ظاهر الدّليل بل لا يعقل استفادته من ذلك الخطاب لأنّ مرتبة الإطاعة متأخّرة عن الطّلب فلا يمكن أخذها قيدا في متعلّق الطّلب كما لا يخفى و قد ظهر بذلك ما في عكس هذا التّوهّم من الاستدلال بإطلاق الكلام لنفي اعتبار قصد الإطاعة و إثبات كون الأصل في الواجب كونه توصّليّا توضيح ما فيه أنّ التمسّك بإطلاق الكلام فرع صلاحيّته للتقييد حتّى يكون ترك القيد دليلا على إرادة عدمه و قد عرفت امتناع التّقييد فلا يصحّ التّمسك بالإطلاق الثّاني حكم العقل بوجوب إطاعة الواجبات الّتي قد عرفت أنّها عبارة عن إتيان المأمور به بداعي الأمر و فيه أنّ حكم العقل بوجوب الإطاعة فرع بقاء الوجوب و عدم سقوط الأمر بحصول ذات الواجب في الخارج و هذا مبنيّ على كون الإطاعة من حيث هي مقصودة للآمر في أوامره و كونها بهذه الصّفة ممّا لا يدركه العقل و إنّما يحكم بوجوبها للتوصّل إلى إسقاط التّكليف بإيجاد المكلّف به على نحو تعلّق به غرض الآمر و لذا لو علم بحصول غرضه في الخارج و لو من غير هذا الشّخص كما في التّوصليّات لا يحكم بوجوب الإطاعة لا لكونه تخصيصا في الحكم العقلي أعني وجوب الإطاعة بغير التّوصّليات بل لكون حكم العقل بالوجوب مقدميّا فيرتفع عند حصول ذي المقدّمة و المفروض عدم دلالة الخطاب على وجوب ما عدا المادّة و عدم نهوض دليل آخر على اعتبار عنوان الإطاعة في قوام ماهيّة