الرحلة السرية للعقيد الروسي عبد العزيز دولتشين إلى الحجاز - عبد العزيز دولتشين - الصفحة ٣١٢ - الأسباب التي تساهم في نشوب واشتداد الأوبئة في الحجاز
الأسباب التي تساهم
في نشوب واشتداد الأوبئة في الحجاز
الحجاج الذين يتوافدون من أقطار بعيدة يشكلون بيئة مستعدة تماما لتقبل شتى الأمراض ـ فإن السفر المضني والطويل ، والأزدحام الخارق وكتمة الهواء الفائقة في البواخر ، والمآكل السيئة وغير الصالحة ، والمناخ الحار الرطب ، واللباس غير المألوف ، المفرط الخفة (ثوب الإحرام) ، كل هذا ينهك الجسم ويضعفه إلى أقصى حد. ومنذ الخطوات الأولى بالذات ، يصل الحجاج إلى جدّة أو إلى ينبع اللتين تتميزان بمناخ وخيم جدّا وبظروف صحية خارقة الرداءة ؛ وفي هذا الوضع ، يبقون ، بانتظار إنطلاق القافلة ، في جدّة يوما أو يومين ، وفي ينبع أسابيع أحيانا. ثم السفر المضني من جدّة إلى مكة أو السفر من ينبع عبر المدينة المنورة إلى مكة ، وهو سفر اشد إرهاقا. إن الظروف الصحية غير المرضية في مكة ، وشرب الماء من بئر زمزم بصورة فائقة الحد ، ثم الوضع الصحي الرديء بشكل لا يصدق عند عرفات ، وبخاصة في منى ، والطعام اللحمي الوفير لمناسبة العيد ، وسوء نوعية المشروبات المباعة في البازار ، والانقضاض على البطيخ والشمام وغيرهما من الثمار ـ كل هذا يجعل الحجاج أناسا شبه مرضى وذوي عضوية مستعدة لتقبل أي مرض كان.
إن اقدس المدن في الحجاز ـ المدينة المنورة ، وبخاصة مكة المكرّمة ، حيث يقيم الحجاج أطول ما يقيمون ، ليستا على الصعيد الصحي في الأوقات العادية اقذر من مدن الشرق الأخرى كالأحياء القديمة في دمشق أو القاهرة مثلا ، ولكن تجمع عدد ضخم جدّا من الناس والمواشي ، وضيق موقعي هاتين المدينتين ـ مكة والمدينة المنورة ـ والمناخ الحار ، كل هذا يخلق بيئة ملائمة جدّا لنشوب شتى الأوبئة.
من جراء التلوث الشديد ، يمكن أن يشكل عرفات بؤرة من بؤر