الرحلة السرية للعقيد الروسي عبد العزيز دولتشين إلى الحجاز - عبد العزيز دولتشين - الصفحة ١٠٣ - يوميات الرحلة إلى مكة المكرّمة
الماء غير لذيذ إلى حد أن الشاي فقد مذاقه. ونظرا لحالة الماء هذه قررنا مواصلة السر بعد راحة قصيرة.
إنطلقنا في الساعة ١١ مساء. انهكني الحصان المتهيج ، ناهيك بأن سلسلة الشكيمة انقطعت ، فأخذ الحصان يندفع ، ويرفس ، ويعض ، ولا يتيح الاقتراب من أحد. أخيرا ، تقدمنا كيفما اتفق ؛ ركبنا من الحمير والأحصنة على بعد ٥٠٠ خطوة تقريبا أما الهجائن. وفجأة ، حوالي الساعة الثانية ليلا ، حين أخذ النعاس يسيطر بقوة ، دوت على التوالي بضع طلقات في الركب الخلفي. قلت في نفسي : أخيرا وقع تبادل النار. توقفت ، سحبت المسدس ، أردت أن أعرف ما سيحصل. ولكن شيئا لم يحصل ، اقتربت الهجائن التي انطلقت من موقفها الطلقات ، وعلمنا انه تراءى لأحد الحجاج أن بدويّا يقتطع من اجربته أشياء ، فصاح ، فاطلقوا انذارا ، وركضوا إلى الحاج المذنب ، ولكن وجدوا كل شيء في محله. يبدو أن أسلوب السرقة هذا يمارس هنا على نطاق واسع. يتمدد البدوي على الرمل ؛ وحين يقترب الجمل منه ، يقفز (الجمال المحلية لا تعرف الخوف اطلاقا) ، ويستغل واقع أن راكب الجمل لا يرى ما يجري تحت الجمل بسبب الاجربة ، فيبتر الاجربة ويسحب الأشياء.
تبدد النوم ، وتمدد الركب وواصل السير على انشاد الحادي. ودائما كنت أنظر بحسد إلى أصحاب الحمير. يؤجر كل منهم حمارين أو ثلاثة ، ويمضي هو نفسه في المؤخرة على حمار احتياطي ؛ وهم دائما مرحون ، ودائما يضحكون ، جالسين بصورة جانبية على حميرهم ، لابسين على الرأس عمامة جميلة ، وعلى الجسم قميصا أزرق طويلا مزنرا وحسب. وطوال الطريق كله يثرثرون مع رفاقهم بلا كلل ، وغالبا ما يدخنون سيجدارة واحدة معا لكل ٥ ـ ٦ أشخاص. كل منهم شاب ممشوق القامة ، رشيق القوام. كثيرون منهم مسلحون بالمسدسات. هذه المرحلة كان مضنية : النهار القائظ السابق ، الماء الرديء ، ليل الأرق ، ـ