هداية المسترشدين في شرح أصول معالم الدين - الرازي النجفي الاصفهاني، محمد تقي - الصفحة ٣٥٠ - المقدّمة السببيّة
قوله : (لم ينفصل عن المندوب).
قد عرفت أنّ المتّصف بالوجوب الموسّع إنّما هو مطلق الفعل الواقع في الزمان المضروب له ، وتركه [١] إنّما يتحقّق بتركه في جميع الزمان المضروب له ، وليس تركه في أوّل الوقت ووسطه تركا للواجب ، بل يكون ذلك تأخيرا له.
والمعتبر في الواجب إنّما هو المنع من الترك دون المنع من التأخير ، وأمّا خصوص الأفعال الواقعة في أجزاء ذلك الزمان فإنّما يتّصف بالوجوب من حيث انطباق الواجب عليه ، وكونه فردا منه ، لا من حيث الخصوصيّة الحاصلة فيه ، كما هو الشأن في سائر أفراد الواجبات فإنّها إنّما تكون واجبة من حيث انطباق الطبيعة الواجبة عليها ، لا من جهة الخصوصيّة المأخوذة معها ، ولذا يجوز ترك كلّ من الأفراد واختيار الآخر.
إذا عرفت اختلاف الجهتين المذكورتين فلا ينافي وجوب الفرد من جهة حصول الماهيّة في ضمنه جواز تركه بالنظر إلى الخصوصيّة الحاصلة معه ، وإنّما ينافيه جواز ترك الماهيّة إذا لوحظت على الوجه الّذي تعلّق الطلب بها ، فإنّ جواز تركها بالملاحظة المذكورة قاض بعدم انفصالها عن المندوب ، وأمّا إذا لم يجز تركها على الوجه المذكور فالانفصال عن المندوب واضح وإن جاز تركها بملاحظة اخرى. وليس ذلك من اجتماع وجوب الفعل وجواز تركه في محلّ واحد ، إذ جواز ترك الفعل من جهة لا يستلزم جواز تركه بحسب الواقع مطلقا ، فالحاصل في المقام هو اجتماع الجهتين ، لا اجتماع الحكمين ، ولا مانع منه أصلا ، كما لا يخفى.
والحاصل : أنّ الوجوب المتعلّق بالطبيعة متعلّق بأفرادها من حيث كون الأفراد نفس الطبيعة ، ووجوب الفرد بذلك الأمر عين وجوب الطبيعة ، وإذا كانت الطبيعة المفروضة ممّا لا يجوز تركها ـ كما قرّرناه ـ لم يعقل عدم انفصال الواجب في المقام عن المندوب ، وجواز ترك الفرد نظرا إلى الخصوصيّة الملحوظة معه
[١] في (ف) : المضروب أو تركه.